السبت، 11 يناير 2014

تفسير سورة البقره من ايه 1- 5 ص 2


سورة البقره من ايه 1-5 (الصفحة رقم 2 )
) الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) ( [1] .
الله عز وجل افتتح هذه السورة بحروف مقطعة , وهنا فائدة ذكرها ابن كثير رحمه الله وهي أن كل السور التي افتتحها الله بحروف مقطعة تضمنت الانتصار للقرآن والإشارة إليه إلّا سورتين أو ثلاث , ومع ذلك هاتان السورتان ذُكر فيهما إشارة للقرآن لكن هذا استقراء جيد .
افتتح الله تعالى الحديث بعد ذلك أشار الله تعالى بعد هذا الافتتاح الذي يشير إلى تحدي العرب بالقرآن الكريم , فمجمل أقوال المفسرين في الحروف المقطعة أنها لبيان إعجاز القرآن وأنه مؤلف من هذه الحروف التي نتحدّث بها ونتكلم بها , فيها إعجاز ثم ذكر الله في الآية الأولى الثناء على القرآن , وهذه الآية هي أعظم آية تضمنت الثناء على القرآن في كتاب الله عز وجل , أعظم آية تضمنت الحديث عن القرآن وبيـان كماله هذه الآية ) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ( وتأملوا معي الصفات الأربع التي تضمنت هذه الآية ، فيها كمال القرآن :
أولاً : قال الله عز وجل ) ذَلِكَ ( وذلك إشارة إلى ماذا ؟ بُعد ، إذا قلت ذلك الرجل يعني بُعد مكانته في الرجولة , ولله ولكلامه المثل الأعلى , إذا قلت ذلك الكتاب يعني ذلك الكتاب الذي قد بلغ منزلة عالية فهو كامل في منزلته , هذا الوصف الأول كامل في منزلته فهو أعلى الكتب وأعظمها .
ثم قال ) ذَلِكَ الْكِتَابُ ( ولم يقل ( ذلك كتاب ) ولم يقل ( ذلك القرآن ) قال ) ذَلِكَ الْكِتَابُ ( بمعنى أي استغرق جميع معاني الكتاب , وتضمن في مضمونه جميع ما في الكتب كلها , لأن الألف واللام كما تعلمون للاستغراق ,كما قلت لكم في الدرس الماضي ذلك الرجل أو هذا الرجل يعني الذي استغرق صفات الرجولة , فقولنا الكتاب استغرق معاني الكتاب كله , وكما ذكرت لكم أن هذا القرآن جمع الله تعالى فيه جميع الكتب كلها , فهذه الصفة الثانية وهي كمال مضمونه .
الصفة الثالثة : في قوله ) لَا رَيْبَ فِيهِ ( أي لا نقص ولا ريب ولا خلل ولا أمر من أمور النقص والخلل فيه , وعبّر بالريب دون الشك لأن الريب يشمل الشك وأقل , فليس فيه أدنى ريب واضطراب , وليس فيه أدنى نقص من أي ناحية من نواحي النقص ، فهذا دال على الوصف الثالث وهو كمال سلامته من النقص , كمال سلامته ومضمونه من النقص .
الوصف الرابع : كمال مقصده في قوله تعالى ) هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ( فمقصده هو الهداية , فهذا دليل على اكتمال المقصد فدلت هذه الآية على كمال القرآن من أربعة وجوه .
وقوله ) هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ( ولم يقل ( هدى للمؤمنين ) لأنه هنا يشير إلى المنتفعين بالقرآن ، من هم المنتفعون بالقرآن ؟
المنتفعون بالقرآن هم الّذين تحلّوا بالتقوى ، والتقوى هي تجمع أمرين :
الأمر الأول : هي التخلّي عن الموانع .
الأمر الثاني : هي التحلّي بالأسباب الباعثة على الانتفاع .
تأملوا هذا جيداً التقوى تشتمل على أمرين عظيمين : التخلي عن الموانع ، والتحلي بالأسباب الجالبة الباعثة على الانتفاع , فمن حقق هذان الوصفان حققهما تحقيقاً صادقاً فإنه سيحقق كمال التقوى كمال الهدى .
فما هي الموانع ؟
الموانع هي التكذيب والكفر والإعراض والرياء والغفلة وعدم التصديق وغير ذلك وكل ما يمنع من الانتفاع فهو داخل في هذا الباب .
وما هي الأسباب الباعثة ؟
التصديق والإقبال وحضور القلب , والإيمان والرغبة , وغير ذلك . كل ذلك داخل في هذا المعنى فتأملوا هذا جيداً بارك الله فيكم .
ثم قال الله عز وجل ) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ( [2] .
فتأملوا هذا وصف من ؟ وصف المتقين , المتقون هم الّذين آمنوا بالغيب وأقاموا الصلاة ومما رزقناهم ينفقون , فهذه ليست هي الصفات تحقيق التقوى وإنما صفات من حقق التقوى وامتثل هذه الأعمال , فالله عز وجل بيّن في صفات المتقين , المتقين المنتفعين بالقرآن هم الّذين حققوا هذه الصفات .
فانظروا هذه الصفات صفات من حقق كمال التقوى أو صفات من حقق كمال الاهتداء بالقرآن , فلننظر ما هي قال الله عز وجل ) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ( والغيب هو كلما أخبر الله عز وجل عنه ورسوله مما لا ندركه في عقولنا , ومن الغيب ربنا عز وجل الذي نؤمن به ولم نره فهو من الغيب , ومن الغيب الملائكة , ومن الغيب علم الآخرة وأحوال الآخرة , ومن الغيب ما لم يطلعنا الله عز وجل عليه أو لم يطلع أحد من خلقه وقد أخبرنا به , فمن حقق الإيمان بهذا الغيب تحقيقاً صادقاً فإنه قد اهتدى بكتاب الله عز وجل وهو أهل للانتفاع ، فبذلك افتتح الله تعالى الصفات بالإيمان ولم يقل آمنوا قال ) يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ( أي أن ذلك أمر متجدد في نفوسهم مستمر فيهم .
وهنا مسألة لماذا افتتح الله تعالى الصفات بالإيمان بالغيب ولم يقل الّذين يؤمنون بالله ؟
هذا الافتتاح مناسب لأحوال العرب الّذين آمنوا ابتداءاً بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وبهذا القرآن من غير علم سابق , ولذلك أشار للقسم الثاني وهم أهل الكتاب الّذين آمنوا من أهل الكتاب قال : ) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ( فكأن الآية تضمنت طائفتين الطائفة الأولى الّذين آمنوا من العرب أي آمنوا بالغيب من غير علم سابق فلم يكن عندهم علم من الكتاب سابق , ) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ( أي من أهل الكتاب الّذين سبق لهم كتاب الله عز وجل بما أنزله على رسلهم , فاشتملت الآية الطائفتين ، وإنما ذكر الله تعالى الطائفتين ليكون ذلك باعثاً للعرب وباعثاً لأهل الكتاب أن يؤمنوا ,كأن الله تعالى يقول : يا أهل الكتاب أنتم مذكورون أثنى الله عليكم في هذا القرآن فآمنوا وصدِّقوا فما أعظم هذا المعنى حينما نتأمله .
ثم قال الله عز وجل : ) وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ( ما قال ( يصلّون ) لأن إقامة الصلاة القيام بالشيء هو أداءه على أكمل وجه , فإذا قلت إنسان قائم يعني معتدل تمام الاعتدال ، فحينما يؤدي الإنسان صلاته باعتدال وإقامة تامّة بأركانها وواجباتها وشروطها وسننها فذلك الذي قام بالصلاة حق القيام .
ثم قال الله تعالى ) وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ( لاحظ أنه قال مما رزقناهم , كأنهم آمنوا واعترفوا بأن هذا رزق الله عز وجل فأنفقوا منه , والإنسان حينما يُنفق المال وهو يستشعر أن هذا مال الله وأن هذا من رزق الله وليس لي فيه فضل , فذلك أعظم في صدقته ولا شك أعظم من الذي يستشعر أن هذا فضل منه على ذلك الفقير أو على ذلك المحتاج فلنستشعر هذا المعنى الدقيق أن الإنسان وهو يُنفق وهو يتصدق يقول ليس لي من ماله هذا شيئاً إلّا مما آتاني الله - عز وجل - ولذلك قال الله : ) وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ ( [3] .
ثم قال هنا ينفقون ولم يقل ينفقون من أموالهم فماذا يدل عليه هذا الإطلاق دون التقييد .. ذكر شيخ الإسلام معنى لطيف ينبغي أن نستحضره قال : ( يدخل في هذه الآية جميع أنواع الإنفاق , ومن أعظمه إنفاق العلم وبذله , فأعظم ما ينفقه الإنسان هو نشر العلم والدعوة إلى الله , وبذل الخير للناس , ويدخل فيه أيضاً الأموال , لكن أعظم الإنفاق مما رزقك الله مما مكّنك الله منه في ذلك كله ) .
فيدخل في ذلك المساهمة في وجوه الخير , وفي جمعيات البر وجمعيات تحفيظ القرآن والدعوة إلى الله والجاليات , وفضل الله واسع .
ثم قال الله عز وجل ) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ( [4] هذا إشارة إلى المؤمنين من أهل الكتاب .
ثم ) وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ( ختم الله عز وجل الصفات باليقين بالآخرة لأنه افتتح بالإيمان بالغيب , فاشتملت الآيات على ثلاثة أمور :
الإيمان بالغيب : ابتداءاً ثم عملاً ثم جزاءً .
لاحظوا يؤمنون الإيمان الكامل من حيث إيمانهم ابتـداء بالله عز وجل وبما يلزم ذلك , ثم العمل إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة , وإنما خصّ هذين العملين لأنهما أساس الأعمال البدنية والمالية , فالصلاة تشير إلى الأعمال البدنية والزكاة أو الإنفاق تشير إلى الأعمال المالية وغير ذلك مما ذكره أهل العلم في هذا .
ثم ختم الله تعالى الآيات بقوله ) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( [5] تأملوا هذا الختام العظيم قال الله عز وجل ) أُولَئِكَ ( فهم في درجة رفيعة قد حققوا الهدى كمال الهدى , لأنه قال قبل ذلك ) هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ( من هم الّذين يحققون الكمال ؟
هؤلاء الّذين هم صفاتهم , ثم بيّن الله جزاءهم فقال : ) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى ( فقوله : ) عَلَى ( أي تمكّنوا من الهدى تمكّناً كاملاً , ( فعلى ) تُفيد التمكّن وإشارة بالبُعد ) أُولَئِكَ ( إشارة لبعيد تدل على بعد منزلته بالهدى , ثم قال : ) مِنْ رَبِّهِمْ ( أضاف الهدى من ربهم تشريفاً وتكريماً منه سبحانه وتعالى .
ثم بيّن أنهم ( مفلحون ) والفلاح هو الفوز التام , والظفر بالفوز التام في الدنيا بالسعادة والتوفيق والعون من الله وغير ذلك , وفي الآخرة برضوان الله تعالى وجنته .
فانظروا كيف حازت هذه الآيات كمال صفات المؤمنين المهتدين بالقرآن نسأل الله أن يجعلنا من المهتدين .

سورة البقره من ايه 1- 5 ص2.pdf - بحجم : 193.26 KB


المحتوى في ملف pdf 


المحتوى في ملف :  word 

المحتوى الصوتي mp3 : 

http://www.gulfup.com/?MiDMGK





[1] سورة البقرة 1 - 5 .
[2] سورة البقرة 3 - 4 .
[3] سورة النور 33 .
[4] سورة البقرة 4 .
[5] سورة البقرة 5 . 

الجمعة، 10 يناير 2014

فضائل سورة البقره


فضائل سورة البقره 
عن ‏ ‏أبي هريرة ‏ رضي الله عنه ‏أن رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال‏ : 
( لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة ‏ ‏البقرة ‏ ) [ رواه مسلم ] .. 

‏عن ‏ ‏أبي مسعود ‏ ‏رضي الله عنه ‏ ‏قال :‏ ‏قال النبي‏ ‏صلى الله عليه وسلم : (‏ من قرأ بالآيتين من ‏ آخر سورة ‏ ‏البقرة ‏ ‏في ليلة كفتاه ) [ رواه البخاري ] .. 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة ، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت ) [ رواه النسائي وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير / 6464 ] .. 
عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، ولا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان ) [ رواه الترمذي وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير / 1799 ] .. 

سورة الفاتحة 
من الأحاديث الصحيحة التي وردت فضل سورة الفاتحة : 

1) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :
( بينما جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم سمع نقيضا من فوقه فرفع رأسه فقال : هذا باب من السماء فتح اليوم ، لم يفتح قط إلا اليوم ، فنزل منه ملك فقال : هذا ملك نزل إلى الأرض ، لم ينزل قط إلا اليوم ، فسلم وقال : أبشر بنورين أوتيتهما ، لم يؤتهما نبي قبلك ؛ فاتحة الكتاب ، وخواتيم سورة {البقرة} ، لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته ) ..
[ رواه مسلم وصححه الألباني في صحيح الترغيب و الترهيب / 1456 ] ..

2) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( ما أنزلت في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها. وإنها سبع من المثاني، والقرآن العظيم الذي أعطيته ) ..
[ متفق عليه ] ..

3) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( قال الله تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، ولعبدي ما سأل ، فإذا قال العبد : {الحمد لله رب العالمين} ، قال الله : حمدني عبدي . فإذا قال : {الرحمن الرحيم} ، قال : اثنى علي عبدي . فإذا قال : {مالك يوم الدين} ، قال مجدني عبدي.وإذا قال:{إياك نعبد وإياك نستعين} ، قال : هذا بيني وبين عبدي ، ولعبدي ما سأل . فإذا قال : {اهدنا الصراط المستقيم . صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} ، قال : هذا لعبدي . ولعبدي ما سأل ) ..
[ رواه مسلم وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب / 1455 ] ..

4) عن أبي سعيد الخدري قال : ‏عن ‏ ‏أبي سعيد الخدري ‏ ‏قال :‏
‏( كنا ‏ في مسير لنا فنزلنا فجاءت جارية فقالت إن سيد الحي سليم وإن ‏ ‏نفرنا غيب ‏ ‏فهل منكم ‏ ‏راق ‏ ‏فقام معها ‏ ‏رجل ‏ ‏‏ما كنا ‏نأبنه برقية فرقاه فبرأ فأمر له بثلاثين شاة وسقانا لبنا فلما رجع قلنا له أكنت ‏ تحسن رقية أو كنت ‏ ترقي قال لا ‏ ‏ ما ‏ رقيت إلا ‏ ‏بأم الكتاب ‏ ‏قلنا لا تحدثوا شيئا حتى نأتي أو نسأل النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فلما قدمنا ‏ ‏المدينة ‏ ‏ذكرناه للنبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فقال ‏ وما كان يدريه أنها ‏ ‏رقية ‏ ‏اقسموا واضربوا لي بسهم ) ..
[ رواه البخاري ] .. 

تفسير سورة الفاتحه

(1) تفسير سورة الفاتحة   - فضيلة الشيخ د. محمد بن عبد الله الربيعة


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين , الرحمن الرحيم , مالك يوم الدين , أنزل كتابه المبين وجعله هدىً للمتقين , وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانه إلى يوم الدين , وعنّا معهم أجمعين إنّه سميع مجيب .
ثمّ إننّي أحمد الله تعالى على أن وفّق وأعان ويسّر هذا الاجتماع المبارك وإقامة هذه الدورة المباركة في تفسير القرآن الكريم , والتي تُعتبر بفضل الله عز وجل من أوليات الدورات العلمية المُتعلّقة بكتاب الله عزّ وجل تفسيراً وتدبراً , وإننّي أهنئكُم أيّها الإخوة طلبة العلم على أن اختاركم الله عزّ وجل لهذه المجالس المباركة , هذه المجالس التي لا تعدلها مجالس في الأرض إلاّ مجالس الذكر , هذه المجالس القرآنية أيّها الأحبّة وهذا المجلس الكريم أرجو وأحتسب على الله عزّ وجل أن يكون من المجالس التي تمَثَلَت قول - النبيّ صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي أخرجه الترمذيّ بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه , أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم – قَالَ : « مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ تَعَالَى, يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ , إِلاَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ , وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ , وَحَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ , وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ » .
ما أعظم هذا الأجر وهذا الفضل العظيم أيّها الأحبة !
أربعة أمور حين تتحقق في هذا المجلس الكريم , وأسأل الله أن يجعلنا ممّن تحققت في هذا المجلس تتحقق فيها أربع كرامات لأهلها :
أمّا الوصف الأول : الاجتماع « ما اجتمع قوم » .
والوصف الثاني : « في بيت من بيوت الله » .
والوصف الثالث : « يتلون كتاب الله » .
والوصف الرابع : « يتدارسونه بينهم » .
حينها تأتي لأهل هذا المجلس الكريم أربع كرامات : تغشاهم الرحمة , وتنزل عليهم السكينة , وتحفُهُم الملائكة , ويذكرهم الله تعالى فيمن عنده .
الله أكبر! ما أعظم هذا الجزاء أيّها الأحبة حينما نحتسب هذا عند الله تعالى , وتصورّوا أيّها الأحبّة أنّ الملائكة " ملائكة الله البررة الأطهار " يحفُونَنا بأجنحتهم , ويستغفرون لنا , نسأل الله أن يجعل ذلك لنا .
ثم تصورُوا أيّها الأحبّة أنّ الله عزّ وجل ربّ السموات والأرض وربّ كل شيء يذكرنا فيمن عنده , نسأل الله أن نكون كذلك , وأن يذكرنا الله تعالى فيمن عنده , ولاشكّ أيّها الأحبّة أن أعظم ما يبعث لذلك ويُحقِّقه هو تحقيق الإخلاص لله تعالى في هذه المجالس حضوراً واستماعاً واجتهاداً ونيةً , نسأل الله أن يُحقق لنا الإخلاص في ذلك .
ثمّ أمّا بعد أيّها الأحبّة , وبما أننا في بداية درسنا , فإنّي لعلّي أُنبّه عن أمور :
الأمر الأول : أنّ هذه الدورة ربّما يكون فيها شيء من الاختصار , فليست دورة فيها تفصيلٌ في مسائل التفسير وخلافاته وما يتعلق بمسائله الدقيقة ، ذلك لأنّ ذلك يطُول , ولو بقينا في سورة البقرة وحدها لبقينا سنوات , لكن الإخوة وفقّهم الله حرصوا أن تُقام مثل هذه الدورة في سنتين , ليُلقى فيها أهمّ ما يمكن أن يكون لطالب العلم في تأسيسه في تفسير كتاب الله عزّ وجل وفهمه , عرضاً عاماً مع بعض المسائل والدقائق والفوائد واللطائف , وأرجو الله عزّ وجل أن يُوفِق لذلك .
ثمّ أيضاً أنّ الإخوة - وفقّهم الله - ألحقوا بهذه الدورة منهجاً فريداً يُشكرون عليه , وهو منهج التدبّر , وهذا مشاركة من الطّلاب أنفسهم في متابعتهم للدرس , ستُوزع عليكم أوراق , وربّما مذكرة , فيها ما يتعلق بتدبّرات , ووضعت التدبّرات في أربعة ضوابط , حتى لا يقول الإنسان ما لا يعلم , فإنّ القول على الله عز وجل عظيم في كتاب الله تعالى : ( مَنْ قَالَ فِيْ الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ فَقَدْ أَخْطَأْ ) [1] .
وإنمّا نقصد أيّها الأحبّة ما يُمكن أن يَستنبطه الطالب خلال الشرح من فوائد ولطائف تُعالج أو تُعزِز الجانب الإيماني والجانب السلوكي والجانب العملي, فهذه ليست داخلة في المعنى وإنمّا داخلة في دلالات الآيات , فلا بأس إذا كان الإنسان انطلق من فهمه ممّا سمعه أو قرأه أن يستنبط ما فتح الله تعالى عليه , وليحرص الإنسان أن تكون هذه الفائدة التي يستنبطها من دلالات الآية نفسها ممّا يدخل في مضمون الآية معنىً ودلالة .
هـذه السورة العظيمة أيّها الأحبّة سورة افتتح الله تعالى بها كتابه العظيم , وهي كما نعلم سورة هي أعظم سور في كتاب الله تعالى كما سيأتي في فضلها , لكننا لعلّنا نتحدث أولاً عمّا يُفتتح به قراءة القرآن من الاستعاذة والبسملة , فقوله : ( أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ الشَيْطَانِ الرَّجِيمْ ) هذه الكلمة يُفتتح بها كتاب الله تعالى كل قارئ , وليست آيةً من كتاب الله عزّ وجل, وإنمّا الغرض منها هو التجرّد من حظّ الشيطان وقطع السبيل عليه إلى أن ينال من قلبك حين تبتدئ كتاب الله عز وجل, بأن يجعل من قراءتك نصيباً لغير الله تعالى , فإنّك بهذه الاستفتاح تقطع طريق الشيطان , وقولك ( أَعُوذُ ) بمعنى : ألتجئ , ( أَعُوذُ ) بمعنى: ألتجئ من الشيطان الرجيم , والشيطان هو كل عاتٍ متمّردٍ من الجن والإنس , وإنمّا سُميّ شيطاناً بمعنى: شَطُن , بمعنى : بَعُد فهو شيطان مرجوم مبعد عن رحمة الله عزّ وجل .
وفي هذه الاستعاذة أيّها الأحبّة وقولك ( أَعُوذُ بِاللهِ ) اعتراف منك أيّها العبد الضعيف بعجزك والتجاء منك وإيمان ٌبربّك سبحانه وتعالى القادر أن يدفع عنك هذا الشيطان وشرّه ووسوسته , ولا سبيل أيّها الأحبّة إلى القرب من الله عز وجل إلاّ بأن يعترف الإنسان بضعفه , وبأن يعترف الإنسان بقدرة الله عز وجل وفضله عليه .
والعلاقة بين الاستعاذة والبسملة هناك علاقة لطيفة : وهي أنك تبتعد من الشيطان الرجيم الذي يريد أن يصدّك عن ذكر الله , لتصل إلى الرحمن الرحيم الذي يريد لك الخير ، ويريد لك دار السلام والهداية في الدنيا , والنجاة والتوفيق في الآخرة , فإنّك في الاستعاذة تبتعد عن هذا الشيطان , وفي البسملة تقترب من ربّك الرحمن الرحيم .
أمّا البسملة أيّها الأحبّة وهي آية من كتاب الله تعالى أُنزلت على القول الصحيح للفصل بين السور في خلاف طويل لا يسع المقام لتفصيله , فقيل : أنّها آية من الفاتحة , وقيل : أنّها آية أُنزلت للفصل بين السور , وهي آية من سورة النمل في قصة النمل , وقد رُوي عن جعفر الصادق أنّه قال : البسملة تيجان السور , وهذا يدلّ كما قال القرطبي رحمه الله : أنّها ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها . [2]
وإذا قلنا ذلك دلّ على أنّ قراءة البسملة في الصلاة ليست ركناً في الفاتحة , هذا على القول برجحان أنّ البسملة ليست من الفاتحة , أمّا على القول بأنّها ركن أو أنها من الفاتحة فلا بدّ للقارئ في الصلاة أن يقرأها .
هذه البسملة تأمّلوا فيها جيداً تجدوا أنّها تضمنّت ثلاثة أسماء , هذه الأسماء هي الله والرحمن والرحيم , هذه الأسماء أيّها الأحبّة هي أصل الأسماء كما قال ابن القيم وأعظمها وأجملها , هي أصل الأسماء وأعظمها وأجملها , واسم الله عز وجل لفظ الجلالة ( اللهِ ) هو أعظم الأسماء وإليها مرجع الأسماء كلها , فهو مشتمل عليها جميعاً , أمّا ( الرحمن والرحيم ) فلشمول معنى الرحمة التي عليها مدار الدارين , الرحمة عليها مدار الدارين , وعليها مدار القبول والنجاة في الدنيا والآخرة , ولذلك تضمّنت هذه البسملة هذه الأسماء الثلاثة , والغرض منها والقصد الافتتاح للتبّرك والتيمّن , فإنّك تقول: أستعين بالله تعالى باسمه الرحمن الرحيم , وهذا لاشكّ دافع وداعٍ بإذن الله تعالى إلى عون الله لك وتوفيقك , وقولك : ( ِبسْمِ اللّهِ ) بمعنى باسم الله أقرأ , حينما تفتح الباب أو تدخل في المسجد تقول : بسم الله أدخل , وحينما تكتب تقول : بسم الله , في نيتك أكتب وهكذا , فالمتعلّق مُتعلّق الباء محذوف يُقدّر على حسب الفعل الذي يفعله الإنسان , ففي القراءة يقصد بقوله : ( بسم الله ) أي بسم الله أقرأ .
أمّا سورتنا العظيمة سورة الفاتحة أيها الأحبة , وربّما يكون لنا سعة من الوقت في بيانها والتطويل فيها , ذلك أنّها أيّها الإخوة سورة عظيمة , وعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه يقول واسمع ما يقول, يقول : ( لو شئت لأوقرت لكم - يعني حمّلت لكم - سبعين بعيراً من سورة الفاتحة ) الله أكبر !
يقول لو شئت لكتبتُ صحفاً ما يحملها إلاً سبعين بعيراً من تفسير وبيان سورة الفاتحة , ولكنّنا نُريد أن نقف في هذا المجلس ونخصّ هذا المجلس به بسورة الفاتحة خاصّة , ذلك لعظمها وأنّ المسلم يقرؤُها وجوباً وفرضاً في كل يوم سبعة عشر مرة , وما ذلك إلاّ لعظمها , بل إنّه يقرؤُها في الفريضة والنفل أكثر من ثلاثين مرة ما السرّ في هذا ؟! وما السرّ في إعادتها ؟! ثلاثون مرة يقرؤها الإنسان في كل يوم ولا يشعر ولا يملّ !
إنّما ذلك لأمرٍ عظيم وغرضٍ تحمله وتتضمنه هذه السورة , لكنّنا قبل أن نذكر مقصدها والمحور الأساسي الذي تدور عليه , علّنا أن نُلمّح إلماحةً إلى بعضِ فضائلها , فقد جاء في مسند الإمام أحمد , عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّه قرأ قال النبي صلى الله عليه وسلم : « والذي نفسي بِيَدِه مَا أُنْزِلَ في التَّوْرَاةِ وَلاَ في الإِنْجِيلِ وَلاَ في الزَّبُورِ وَلاَ في الْفُرْقَانِ مِثْلُهَا إِنَّهَا السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الذي أُوتيته » أي أنّها اشتملت على القرآن كله , وهذا دليلٌ كافٍ في فضلها.
وأخرج البخاري عن أبي سعيد بن المعلّى , وهو حديث عظيم , قَالَ : « كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ أُجِبْه - لأنّه كان في الصلاة - فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي , قَالَ : أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ : ) اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ( ثُمَّ قَالَ لِي - اسمع ما يقول - لأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِي أَعْظَمُ سُّوَرِة فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ » فلم يُخبره النبي صلى الله عليه وسلم حتى أراد أن يخرج فأخذ بيده , النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن ينظر مدى اهتمام سعيد بن معلّى اهتمامه وحرصه على هذه الفائدة العظيمة وهذه الهدية الكبيرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم , هل هو مهتم أم لا ؟! « فلمّا أراد أن يخرج وقف سعيد بن المعلّى رضي الله تعالى عن أبي سعيد , فقال يا رسول الله إنك قلت : « لأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هي أَعْظَمُ سُورَةٍ في الْقُرْآنِ » قَالَ : نعم ) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( هِي السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ » والحديث في البخاري .
وإنّما كانت أعظم سورة في القرآن لماذا ؟!
لماذا كانت أعظم سورة في القرآن ؟
لأنّها تضمّنت جميع معاني القرآن ومقاصده , ولهذا سُميّت بأم القرآن , وأم الكتاب , والأساس , والوافية , والكافية , كل ذلك دليلٌ على أنّها تضمّنت أصول القرآن كله , وقد تظافرت أقوال المفسرين في هذا ممّا يطول في ذكره , اسمع إلى ما ذكر ابن القيم في كلامٍ نفيس قال : ( اعلم أنّ هذه السورة اشتملت على أُمّهات المطالب العالية أتمّ اشتمال , وتضمّنتها أكمل تضمن , فاشتملت على التعريف بالمعبود سبحانه وتعالى بثلاثة أسماء , وهي مرجع الأسماء الحسنى والصفات العلى ) [3] .
فانظر يا رعاك الله إلى ذلك بعين بصرك وبصيرتك .
هنا سؤال مهمّ هو محطّ رحلنا في هذه الجلسة , أرجو سلمّكم الله أن تُرعوا لي سمعكم , ومن وعاه جيداً فسيقرأ الفاتحة قراءةً أُخرى , وسيجد في هذه الفاتحة معنىً لا يجده وطعماً لا يجده في غير تأمُلِه بغير هذا المعنى
ما هو مقصد السورة ؟ مقصد سورة الفاتحة ؟
وقبل أن أبيّن هذه المقصد أُريد أن أُلمِح إلى أهمية علم من علوم القرآن ينبغي لطالب العلم الذي يُريد أن يفهم كلام الله عز وجل فهماً صحيحاً فعليه بهذا الأساس , وهذا العلم وهو : ( مقاصد السور ) لكل سورة أيّها الأحبّة بالتأمّل الثاقب محورٌ أساس تدور عليه , هذا المحور يجمع مقاصد وموضوعات , والوصول لهذا المحور يحتاج إلى بحثٍ ويحتاج إلى تأمّلٍ طويل ودقّةِ فهم , ذلك أنّه علمٌ يتعلق بدقائق السور , فهذا المحور إذا وفقك الله وفتح لك بابه فإنّك ستجد في هذا المحور ما يجمع لك معاني السورة كُلّها .
تأمّلوا سورة الإخلاص , ما هو محورها ؟
محورها هو اسمها ( الإخلاص ) هل تجدون هذا الاسم موجود في ألفاظها ؟
هل الإخلاص موجود في ألفاظ سورة الإخلاص ؟
لا ، إذاً لماذا سميّت بالإخلاص ؟
لأنّها تُحقق الإخلاص فكلّ كلمة وليست كل آية , كل كلمة من هذه السورة لها دلالة في الإخلاص !
من حقّق هذه السورة تحقيقاً صحيحاً حقّق الإخلاص لله عزّ وجل , لأنّك إذا قلت : ) قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ( [4] فإنك توحّد الله عزّ وجل في كل شيء من شؤون الحياة, ولذلك قال: ) أَحَدٌ ( ولم يقل : ( واحد ) ! وحين تقول: ) اللَّهُ الصَّمَدُ ( وهو الذي بلغ كمال السؤْدد سبحانه وتعالى في ذاته وأسمائه وصفاته , وهو الذي إليه الملجأ لجميع الخلائق في جميع شؤونهم وحوائجهم , فإنّك بذلك قد حققّت الإخلاص حقًّا , ثم إذا قلت : ) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ( تبيّن لك أنّ الله عزّ وجل مستغنٍ عن كل أحد فليس له ولد وليس له والد وليس له مثيل , فحققّت بذلك في قلبك كمال الله عز وجل معرفةً واعتقادا .
نرجع إلى مقصد سورة الفاتحة , أرجو أن تُرعوا لي سمعكم في هذا وقلوبكم .
هذه السورة العظيمة أيّها الأحبّة التي عظمّها الله وفرضها الله علينا في كل صلاة , بل في كل ركعة نقرؤها, لابدّ أن نُحقِق فيها معنىً عظيماً , ولابدّ أن تكون هذه السورة تعني وترجع إلى معنىً لابدّ أن نُحقِقه في قلوبنا ألا وهو تحقيق كمال العبودية لله عزّ وجل , هذا مقصدها باختصار " تحقيق كمال العبودية لله عز وجل " بمعنى أنّك في كل صلاة تقرأ هذه السورة وفي كل ركعة تُجدِد العبودية لربّك بل تزداد عبوديتك لربّك بحسب معرفتك لما تضمّنته هذه السورة , ألست معي حينما قال ابن القيم رحمه الله : ( أنها اشتملت على أمهات المطالب العالية أتم اشتمال وتضمنتها أكمل تضمن ) .
أنت أيّها الأخ المسلم حينما تقرأ هذه السورة وتُحقِقها في قلبك اعتقاداً ومعنىً واستحضاراً فإنّك تُجدد العبودية لله عز وجل , ولعلّنا من خلال التأمّل السريع نقف بعض الوقفات التي تبيّن هذا الغرض وتؤكدّه :
أولاً : كلنا يعلم الحديث الذي في الصحيح الذي أخرجه البخاري في قول الله عز وجل في الحديث القدسي : « قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين , فنصفها لي ونصفها لعبدي » هذه الصلاة يعني الفاتحة , وإنمّا سُمّيت صلاة لأنّها ركنٌ في الصلاة , فقسمها الله تعالى نصفين , نصف لله ونصف للعبد , فالثلاثة الآيات الأولى فيها بيان استحقاق الله عزّ وجل للكمال المطلق , والثلاثة آيات الأخيرة والآية الوسطى وهي ركيزتها وعمدتها هي بين الله وبين عبـده , كما قال الله تعالى : ( هذا بيني وبين عبدي ) والثلاثة الآيات الأخيرة هي في حقّ العبد في سؤاله ربه عزّ وجل أن يهديه الصراط المستقيم للنجاة في الدنيا والآخرة , يقول ابن القيم رحمه الله تعالى : ( من تحقق بمعاني الفاتحة علماً ومعرفةً وعملاً وحالاً فقد فاز من كماله بأوفر نصيب , وصارت عبوديته عبودية الخاصّة الذين ارتفعت درجتهم عن عوامّ المتعبدين ) [5] الله أكبر !
إذا كنّا نعلم أنّ هذه الفاتحة ستُحقق لنا عبوديةً خاصةً , ونُحقِق بها كمالاً بشرياً , فو الله حقّ علينا أن نُولي هذه السورة عنايةً كبرى في حياتنا وأن نستحضرها معنىً وعملا .
افتتح الله عزّ وجل بقوله : ) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( [6] قوله : ) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( هذه الآية غرضها إثبات الكمال المطلق لله عزّ وجل , وأن الحمد هو الوصف الجامع للكمال , الحمد هو وصف المعبود سبحانه بصفات الكمال, فحين تقول : ) الْحَمْدُ لِلَّهِ ( فإنّك تقول ربنا يستحقُ الوصف الكامل , فهو كما قال بعض المفسّرين هو الثناء على الله بالكمال المطلق في ذاته وأسمائه وصفاته , فإذا كان سبحانه وتعالى عليماً فله الكمال كُلّه في العلم وله العلم كله هذا كمال , فأنت تستحضر في قولك : ) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( أنّ الله تعالى له الوصف الكامل المطلق في ذاته وأسمائه وصفاته , لو استحضرت هذا المعنى والله لحققّت في قلبك معرفة بالله حقيقة كبيرة وعبدت الله حقّ العبودية عبودية صحيحة , ولذلك قال الله تعالى إذا قال العبد : ) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( قال : حمدني عبدي , والحمد هو الثناء بالكمال , وافتتح الله تعالى الفاتحة بالحمد , وافتتح الله كتابه بالحمد , لأنّ أجمع كلمة في وصف الكمال لله عزّ وجل هي هذه الكلمة قولك : ) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( فناسب أن يفتتح الله كتابه الذي هو رسالته للخلق بها , ليكون أول ما يتلقّاه العباد من كلام ربّهم , أول ما يتلقّاه العباد حينما يقرؤون كتاب ربهم تكون تتلقّاهم كلمة : ) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( فيستقرّ ذلك في نفوسهم وفي أحوالهم , يقول ابن القيم رحمه الله تعالى وهو حقيقة في تفسير وتأويل الفاتحة ما وجدت أحداً حققّ معانيها بهذا المقصد مثله , يقول بن القيم رحمه الله في قوله : ) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( ( نجد تحت هذه الكلمة إثبات كل كمال للرب فعلاً ووصفاً واسماً وتنزيهه سبحانه عن كل سوء وعيب فعلاً ووصفاً واسماً وبذلك كمل التوحيد ) .
قال الله تعالى : ) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( ولم يقل : أحمد ربي أو حمداً لله لماذا ؟
ما الفرق بين قولنا : ) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( وبين قولنا : حمداً لله رب العالمين ؟
الفرق ظاهر فإنّ قولك : ) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( تُفيد الاستغراق فإنّ الألف واللام في قولك : ) الْحَمْدُ لِلَّهِ ( للاستغراق , ولله المثل الأعلى حين تقول : الرجل أو تقول رجل , أيّهما أكمل في المعنى ؟ الرجل , لأنّك حين تقول الرجل يعني قد كمُلت معاني الرجولة فيه , فقلت هذا الرجل قد كمُلت فيه معاني الرجولة , أمّا حين تقول: هذا رجل, يعني فيه بعض صفات الرجولة , ولله المثل الأعلى في ذاته وأسمائه وصفاته , فإنّ قولك : ) الْحَمْدُ ( يعني جميع معاني الحمد لله رب العالمين , وأيضاً فإنّ قولنا : ) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( افتتاح الحمد الفاتحة بها يُفيد أنّ الله تعالى محمود قبل أن يحمده الحامدون , فهؤلاء سواءً حمَدوا أم لم يحمدوا فهو محمود سبحانه منذ الأزل إلى الأبد سبحانه وتعالى , ما أعظم ذلك أيّها الأحبّة ! وما أعظم استحضاره !
قولك : ) رَبِّ الْعَالَمِينَ ( تخصيص هذا الوصف ( الرب ) وافتتاح الصفات به قبل الرحمن قبل الملك , لماذا ؟
لأنّ الربّ أعظم المقامات أثراً وتعلقاً بمصلحة العباد والإحسان إليهم هو معنى الرب , لأنّه يدخل فيه معنى السيد المربّي سبحانه وتعالى , ويدخل فيه معاني النفع والضر والإحسان وغير ذلك , فخصّه سبحانه وقدّمه ليكون أول ما يُشنّف آذانهم فيدعوهم إلى سرعة اللجوء والاستجابة إليه سبحانه وتعالى , ويكون أقوى لتحريك قلوبهم وعطفهم إلى ربهم سبحانه وتعالى , وفي تقديمه أيضاً دليلٌ على أنّ رحمة الله سبحانه وتعالى سبقت غضبه , فلم يُقدّم ملك على الرب ! لو قدّم لو قال : ( الْحَمْدُ للّه مالك يوم الدينِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) لكان غضبه قد سبقت رحمته , فأمّا وقد قدّم هنا في الفاتحة التي هي فاتحة كتابه , قدّم الربّ على ملك فيدلّ ذلك على أنّ رحمته سبقت غضبه وله الفضل والمنّة سبحانه .
قول الله عزّ وجل : ) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( قبل ذلك نرجع في قولك : ) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( لماذا قال : ( رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ولم يقل : ( رب الناس ) ؟ لماذا قال : ( رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ولم يقل ربّ الدنيا والآخرة ؟
ليُفيد كمال الله عز وجل فإنّه ربٌ للعالمين جميعاً إنساً وجنّاً وحيوانات , والعالمون كُثر لا يُعدّون , ففي البحر عوالم لا يحصيها إلا الله , وفي الأرض عوالم لا يحصيها إلا الله , وفي السماء عوالم لا يحصيهم إلا الله عزّ وجل , فهذا يُفيد كمال ربوبيته سبحانه وتعالى , ولو قال : ( الناس ) لما كان ذلك كمالاً في ذلك معنى الآية , وكما قلت لكم السورة كلها في معاني الكمال لله تعالى , قول الله عز وجل : ) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( هذه الآية في بيان كمال الثناء على الله عزّ وجل وصفاً وفعلاً, ولذلك قال الله تعالى فإذا قال : ) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( ماذا يقول الله ؟ قال : ( أثنى علي ّ عبدي ) فإنّك بقولك : ) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( تُثني على الله سبحانه وتعالى , وجمع بين الاسمين أيّها الإخوة ) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( لأمور :
أولاً : أنّ الرحمن دالّة على الصفة القائمة بالله عزّ وجل وهي الرحمة , والرحيم صفة دالّة على تعلّقها بالمخلوق وهي أثر الرحمة على المخلوق فتأمّل ذلك .
هذه من دقائق ابن القيم رحمه الله تعالى : ( الرحمن دالٌّ على الصفة القائمة بالله , والرحيم دالٌ على تعلّق هذه الرحمة وأثرها على العباد ) فانظر يا رعاك الله انظر كيف تَحقَق في قولك : ) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( وصف الله بهذه الصفة بأعلى وصف ووصف الله عزّ وجل بأثرها على العباد , وذلك أقرب إلى قلوبهم وتعلُقهم بربّهم سبحانه وتعالى , أيضاً أيّها الأحبّة هنا سر في هذه الفاتحة يُحقق قول النبيّ - صلى الله عليه وسلم - هي السبع المثاني , ما معنى هي السبع المثاني ؟
هذه المسألة مهمة جدًا قلّ من ينتبه لها أو يلحظها , السبع المثاني , ما معنى المثاني ؟
اختلف المُفسّرون فيها , قيل : هي تُثنّى في كل ركعة , والصحيح أنّ معانيها فيها مثاني , ففيها الشيء ومقابله , تصورّوا معي أيّها الأحبّة أنّ الله قال : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي , فهذا معنى مثاني , وتصورّوا قوله : ) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) ( ترغيب وترهيب , وتصورّوا قوله : ) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) ( فهذا حقّ الله وحق العبد , ) إِيَّاكَ نَعْبُدُ ( لله ) وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( للعبد , وتصورّوا قوله : ) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) ( فهذه الوجوه المثاني , ولو أنّنا تأمّلنا أكثر لوجدنا وجوهاً أكثر من ذلك في تحقيق هذه المثاني , فهي السورة التي ذُكر فيها المعنى ومقابلها .
( الله عزّ وجل ) والرب فهنا ترغيب وترهيب , ( الرب والرحمن ) أيضاً بينهما مثاني , ( الرَّحْمنِ والرَّحِيمِ ) بينهما مثاني ( الرحمن ومالك ) بينهما مثاني , ) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( بينهما مثاني , وكذلك ) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ( بينهما مثاني , فهذه السورة السبع المثاني كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فتدبّرها جيداً وفقك الله .
ثم قال الله تعالى : ) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( هذه الآية تُفيد أنّ الله سبحانه وتعالى له الملك وحده يوم القيامة , يوم الجزاء على الأعمال , في قراءة المسلم لهذه الآيات في كل ركعة من صلواته تذكير له باليوم الآخر , وحثّ له على الاستعداد للعمل الصالح والكفّ عن المعاصي والسيئات , لأنّك إذا قلت : ) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( تذكرت مُلك الله في ذلك اليوم وأنّه لا سبيل لك إلا الله – عز وجل - : ) لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ( [7] وهنا بعض البصائر في هذه الآية :
أولاً : غرض هذه الآية هو بيان كماله سبحانه وتعالى مجداً وسلطاناً وقدرةً وتصرفاً للدلالة على كماله المطلق سبحانه وتعالى , ولهذا قال في الحديث : « فإذا قال العبد ) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( قال الله تعالى : مجّدني عبدي » أي : عظّمني , إذا قلت : ) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( فإنّك تُعظِمه في ملكه سبحانه وتعالى وقدرته وتصرفِه سبحانه وتعالى , وذكر وصف الملك بعد الربوبية والرحمة مناسبٌ كما ذكرت لكم هو من باب المثاني , فإنّ الربوبية والرحمة دالّة على كمال لطفه ورعايته وإصلاحه للخلق , وصفة الملك دالّة على كمال تصرفه وقدرته وأمره ونهيه سبحانه وتعالى , وأيضاً فإنّ صفة الربوبية والرحمة داعية لماذا ؟
داعية للرجاء والترغيب والتشويق للعبد , فأتبعها سبحانه وتعالى بصفة الملك الداعية إلى الترغيب والخوف , ليجتمع في قلب العبد الخوف والرجاء , وهذه كمال العبودية إذا اجتمع في قلبك الخوف والرجاء وبينهم المحبة فذلك هي كمال العبودية .
هنا سؤال وهو ما هو وجه تخصيص يوم الدين ؟! لماذا قال : ) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( ولم يقل مالك الدنيا والآخرة ؟ مالك السماوات والأرض ؟ لماذا خصّ هنا يوم الدين مع أنّ السورة في بيان كمال الله المطلق في ذاته وأسمائه وصفاته , فلماذا خصّ يوم الدين ؟ من يجيب ؟
في ذلك اليوم يوم القيامة لا يكون مُلك إلا لله عزّ وجل , قال الله عز وجل : ) لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ( في يوم القيامة يوم يجمع الخلائق كلهم من أولهم إلى آخرهم انسهم وجنّهم وجميع الخلق مجموعون في ذلك اليوم , فليس لأحدٍ مُلك , ليس لأحدٍ في ذلك اليوم قدرة ولا نفع ولا ضر إلاّ بإذن الله , فحينها يقول الله تعالى : ) لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ( فيُجيب الله تعالى بنفسه : ) لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ( فانظروا وتأمّلوا قوله : ) الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ( فحين تمّثل المُلك الكامل لله عز وجل في ذلك اليوم , جاء في هذه السورة التي تُحقق الكمال لله تعالى تخصيص يوم الدين , أمّا في الدنيا فإنّ الله جعل للخلق مُلك تحت مُلكه سبحانه وتعالى , لكنّه في الآخرة ليس لأحد مُلك , فلذلك قال هنا : ) يَوْمِ الدِّينِ ( .
ولماذا قال : ) يَوْمِ الدِّينِ ( ولم يقل يوم القيامة ؟ أو يوم الجزاء ؟ لماذا خصّص يوم الدين ؟
للإشارة إلى أنّ ذلك اليوم هو يوم الجزاء على الدين , وما هو الدين ؟! هو دينه سبحانه وتعالى , أمّا غيره من الأديان فليس لها عند الله نصيب , فكأنّ الله تعالى سبحانه في هذه الآية يقول : في ذلك اليوم هو الجزاء لديني , من أراد أن يكون من أهل ديني فإنّ ذلك اليوم هو جزاؤهم على الدين , فانظروا وتأمّلوا هذا التعبير العظيم الكريم البليغ , ثم هنا قراءتان في قوله : ) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( قراءتان صحيحتان متواترتان عن النبي صلى الله عليه وسلم , وهنا وقفة مع القراءات وهي أنّ القراءات فيها سرٌ من أسرار القرآن , تُفيد تعدد المعاني , وكما قال علي رضي الله عنه : ( القرآن حمّال ذو وجوه ) بمعنى أنّه يحتمل معاني كثيرة , فالكلمة الواحدة قد تستخرج منها معانٍ كثيرة , وهذا معنى قول الله عز وجل : ) مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ( [8] فهذه الكلمات المعدودة تجمع معاني لا منتهى لها , في كل زمان نجد من المعاني مالا يمكن أن يكون في زمان قبل , في كل عصر يُناسب هذا القرآن , حَلّ مشكلاته , في واقعيته , وبلغته , وبأحواله , والله تعالى أعلم وأعظم في أن يجعل هذا القرآن هداية للناس من أولهم إلى آخرهم , فقولنا : (مالك) و(ملك) هنا قراءات , والقراءات تُفيد تعدد المعاني , فما هي المعاني تحت كلمة (ملك) وما هي المعاني تحت كلمة (مالك) ؟!
المعاني تحت كلمة (ملك) تُفيد كمال القوة والسلطة والجلال والعظمة ، الملك هكذا يفيد الجلال والملك والعظمة ، و(مالك) تُفيد التصرّف التامّ والنفع التامّ والضرّ التامّ , فله سبحانه وتعالى التصرف التامّ في كل شيء , فقد يكون (ملك) ولا يكون (مالك) في المخلوقين , ولله المثل الأعلى أليس كذلك ؟
قد يكون في الدول مَلِك لكنّه لا يتصرف , كـ " ملكة بريطانيا " ليس لها من الأمر شيء , أمّا قولنا : ) مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( و ) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( فهي تُحقق لله تعالى المعنيين الجميلين , الجلال والعظمة والسلطان , وتُحقق معنى النفوذ والتصرُف التام سبحانه وتعالى له .
ثم نأتي إلى محطّ السورة وقاعدتها وأساسها , هذه الآية التي هي أعظم آية في كتاب الله عزّ وجل من حيث معناها , وإلاّ فأعظم آية في كتاب الله آية الكرسي لكن هذه الآية في سورة الفاتحة : ) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( في مضمونها قد شملت القرآن كله , هي عمود السورة , قول الله عز وجل : ) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - : ( هاتان الكلمتان تجمعان معاني الكتب المنزلة من السماء ) [9] الله أكبر ! ليس فقط القرآن , وقد ذكر في أثر آخر : ( أنّ الله جمع الكتب السماوية كلها في أربعة كتب , وجمع الأربعة كتب في كتاب واحد وهو القرآن, وجمع القرآن في سورة واحدة هي الفاتحة , وجمع الفاتحة في آية واحدة هي ) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( ) وقال ابن كثير رحمه الله تعالى : ( والدين يرجع كله إلى هذين المعنيين ) [10] ويقول بعض السلف : ( الفاتحة سرّ القرآن وسرّها - أي سرّ الفاتحة - هذه الكلمة : ) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( ) ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ( تأملت أنفع الدعاء فإذا هو سؤال الله العون على مرضاته ثم رأيته في الفاتحة في قوله : ) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ( ) .
فهذا فضل هذه الآية , ولو وقفنا معها وقفات لما كفانا حقيقة , لكنّنا لعلّنا نقتطف بعض المعاني والدقائق واللطائف التي نحقق من خلالها معنىً في قلوبنا لعلّها تُعزّز معنى العبودية لله عزّ وجل .
أولاً : ما مناسبة هذه الآية لما قبلها ؟
مناسبتها ظاهرة هي أنّه لما ذَكر سبحانه وتعالى اتصّافه بصفات الجلال والكمال الدالّة على استحقاقه واختصاصه بالعبودية , كان ذلك موجباً للعبد إلى أن يعترف لله عزّ وجل بهذه العبودية , لما أنّ العبد استفتح ببيان الصفات لله عزّ وجل , صفات الجلال ، الله عزّ وجل والرب والرحمن والملك , وهذه الأسماء الأربعة تجمع جميع صفات الله عز وجل , فحين يقرأ العبد قوله : ) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( هنا يقف معظماً لله عز وجل ، مستشعراً كمال ربّه سبحانه وتعالى في ذاته وصفاته , مستحضراً أنّه لا سبيل له للعبد إلا الله , حينها يتجه إلى ربه فيقول : ) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( ولله المثل الأعلى لو أنّك تُريد حاجة من حوائج الدنيا , وظيفة فقيل لك : هذا المدير الفلاني رجلُ فيه كذا ، وكذا ، وكذا , ويملك الصلاحيات كلها , فحينها تذهب إليه مباشرة وتعترف له بالفضل وتسأله حاجتك هذا في حاجة العبد فكيف بحوائجك كلها التي لا يقضيها إلا الله وتعلم علم اليقين أن الله تعالى له الكمال المطلق وبيده الخير كله وعنده خزائن السماوات والأرض فحينها ليس لك سبيل إن كنت عبداً صادقاً مؤمناً أن تتوجه لغير ربك فحينها تقول : ) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( ولو أننا استحضرنا ونحن نقرأ سورة الفاتحة فنستحضر في الآيات الأولى كمال الله تعالى ثم كأننا نلجأ إلى الله عز وجل نخاطبه مباشرة فنقول : ) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( هذا والله معنى العبودية يقول البيضاوي في هذا ( كأنهم قالوا يا من هذا شأنه نخصك بالعبادة والاستعانة وفي ذلك إشارة إلى طريق تحقيق كمال عبوديته وهو تحقيق معرفته ووجوه كماله ) ثم لماذا قال ( إياك نعبد ) ولم يقل إياه نعبد ؟
الحديث هنا قال : ) الْحَمْدُ لِلَّهِ ( لم يقل ( الحمد لك ) فالحديث هنا عن الغائب لماذا جاء الحديث المخاطب هنا قوله : ) إِيَّاكَ نَعْبُدُ ( مباشرة فالتفت من الغيبة إلى الخطاب وهذا التفات بديع ، وهو أدخل في استجلاب النفوس واستمالة القلوب وإيقاظ الأسماع كما أن فيه مناسبة لما قبله وهو أنه لما أخبر عن نفسه بأجمع الصفات وأجملها وأجلها تجلى للقارئ والسامع كمال ربه المطلق فاستدعى ذلك إلى أن يتوجه إليه مباشرة فيقول ) إِيَّاكَ ( نعبد فكأنه ترقى وهذا من كلام ابن القيم يقول : كأنه ترقى من كمال البرهان والدليل إلى كمال الإقرار والاعتراف ، ومن رتبة الإيمان والتصديق إلى رتبة الإحسان ، كلام جميل يقول كأنه ترقى من كمال البرهان يعني المعرفة إلى كمال الإقرار ومن رتبة الإيمان والتصديق إلى رتبة الإحسان وهو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك .
وقولك : ) إِيَّاكَ نَعْبُدُ ( لماذا قال ) إِيَّاكَ نَعْبُدُ ( ولم يقل إياك أعبد ؟
تصوروا هذا وتأملوه لماذا جمع هنا فقال إياك نعبد ولم يقل إياك أعبد ؟
الجمع في ) إِيَّاكَ نَعْبُدُ ( دون الإفراد دال على معانٍ جميلة ، الجمع في قوله نعبد دون الإفراد دال على معانٍ جميلة جليلة بديعة منها أنه مناسب لما أخبر عن شمول صفاته وإحاطته بالكمال وأنه رب العالمين جميعاً معنى عظيم !
حينما تقول : ) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( و ) إِيَّاكَ نَعْبُدُ ( فإنك تعترف بأن الخلق كله عباد لله وأنه رب العالمين جميعاً ليس ربك أنت فقط حين تقول : ) الْحَمْدُ لِلَّهِ ( ربي تعترف بأنه ربك لكن حينما تقول ) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( وتقول ) إِيَّاكَ نَعْبُدُ ( فإنك تستحضر هنا أن الله عز وجل له حق العبودية من الخلق كلهم أي معنىً يحققه الإنسان في قلبه استحضار أن الله تعالى معبود لجميع المخلوقين سبحانه وتعالى ، وهذا معنى قول إبراهيم عليه السلام ) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ( ما قال أسلمت لربي لاحظ هذه اللطيفة البديعة ) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ( ماذا قال : ) أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ( الله أكبر !!
اعتراف بأن الله رب العالمين جميعاً وهذا أكمل في العبودية من قولك ( الحمد لله ربي ) أو قولك ( إياك أعبد ) فالحظ هذا وتدبره وفقك الله .
ثم أيضاً فإن قولك ) إِيَّاكَ نَعْبُدُ ( كأنك بضعفك وتقصيرك ومعصيتك تريد أن تدخل نفسك مع عباد الله الصالحين فكأنك تقول يا رب أنا لوحدي لا أستطيع تحقيق كمال عبوديتك ، ضعفي وقصوري ومعصيتي لا تحقق كمال العبودية لله ، فحينها تدخل بعبوديتك مع عبودية عباد الله الصالحين كلهم فتدخل مع الصالحين جميعاً في هذه العبودية لتحقق معهم الكمال ، وهنا أيضاً مسألة أخرى وهي الجمع بين العبودية والاستعانة قولك إياك نعبد كافٍ في تحقيق العبودية فلماذا قال ( إياك نستعين أيضاً ) ؟
مع أن العبادة متضمنة للاستعانة لأن العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه وهي تشمل الحب والخوف والرجاء والاستعانة والتوكل وكل ذلك داخل في معنى العبادة فلماذا خص العبادة هنا ؟
لأمر عظيم فتأملوه لأنه لا سبيل للعبد إلى تحقيق العبادة إلا بالله عز وجل وعونه هل يمكن لك أنت أيها العبد بقدرتك وضعفك وما يحفك من الصوارف الشيطان والنفس الأمارة أن تعبد الله حق العبادة ؟ لا والله
إذا لم يكن عون من الله للفتى *** فأول ما يجني عليه اجتهاده
هنا أيها الأخ الحبيب وأنت تعترف لله عز وجل بالعبودية يمكن أن يأتيك الشيطان فيبعث في نفسك الفخر وأنك تعبد الله وكثير من الناس لا يعبده هنا يُكسر هذا العُجْب بقولك إياك نستعين أي ليس لي سبيل لعبادتك إلا بك سبحانك وحدك لا شريك لك فهذا معنىً عظيمًا فتأملوه وتدبروه .
وقدم العبادة على الاستعانة لأن العبادة هي المقصودة والاستعانة وسيلة لها كما أن العبادة حقه تعالى والاستعانة حق للعبد من لله يعني العبادة حق لله من العبد أن يعبده والاستعانة حق للعبد من الله أن يعينه فكان ذلك جمعاً بين حق الله وحق العبد وهو معنى قوله السبع المثاني .
ثم بعد ذلك قول الله عز وجل ) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ( يقول الله تعالى ) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ( وهذا حق العبد وهذه الآية غرضها بيان أعظم مطالب المؤمنين وهو سؤال تحقيق الهدي الكامل والدين الصحيح ما هي أعظم مطالبنا ؟
هي هداية الصراط المستقيم الذي يوصلنا إلى مرضاة الله وجنته فقط هذا أعظم مطالبنا وهنا سؤال العبد لربه تحقيق الهدي الكامل والدين الصحيح أنت إنما تسأل الله أن يسلك بك أكمل الطرق وأعظمها وأقربها إليك ولهذا قال في الحديث الوارد في تقسيم الفاتحة حين يقول اهدنا الصراط المستقيم قال الله : « هذا لعبدي ولعبدي ما سأل » لكن ينبغي أن نستشعر هذا المعنى .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : ( هذا الدعاء هو الجامع لكل مطلوب ) [11] .
كل ما تطلب الله فهو داخل في هذا الدعاء فما أكرم الله حين وفقنا لهذا الدعاء ندعو به في كل صلاة وفي كل ركعة الذي هو أعظم دعاء لو اجتمعنا كلنا إلى أن نقول ما هو أعظم دعاء ندعو الله به والله لا نجد أعظم من هذا الدعاء فتأمل ذلك وتبصر وتدبر حين تقول ذلك وتقرؤه في صلاتك في كل ركعة .
يقول : ( يحصل به كل منفعة ) يحصل بهذا الدعاء كل منفعة ( ويندفع به كل مضرة فلهذا فرض على العبد وهذا مما يبين أن غير الفاتحة لا يقوم مقامها أصلاً وأن فضلها على غيرها من الكلام أعظم ) ومناسبة هذه الآية هي أنه لما تقدم الثناء على الله عز وجل في قولك : ) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( ثم اعترفت له بالعبودية لله وحده خالصاً مخلصاً فإنه ناسب هنا أن يعقب بالسؤال والدعاء وهذا أكمل أحوال السائل أن يمدح مسؤوله ثم يسأله حاجته ولله المثل الأعلى أنت إذا أردت حاجة من إنسان لاشك أنك تذهب إليه تتقرب إليه بالثناء وأنت صاحب الفضل ولك أيادٍ بيضاء ولك خير كثير ثم تطلب حاجتك ولله المثل الأعلى وهو ربنا يحب الحمد والثناء سبحانه وتعالى وهو أحق بالحمد من غيره فهو صاحب الفضل كله فحينما تريد أن تدعو الله فينبغي ويشرع أن تستفتح دعائك بالثناء عليه وهذا ما كان في أعظم دعاء اشتملته هذه السورة وهذا القرآن هو طلب الهداية من الله عز وجل الصراط المستقيم افتتحته بالثناء الكامل لله عز وجل فهو أدعى للإجابة وهذا مما يشرع في الدعاء أن يفتتح بالثناء وهذا مثله مثل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في أسمع الدعاء قال : « ما كان في جوف الليل الآخر ودبر الصلاة » ودبر الصلاة اختلف فيه العلماء لكن أظهره أنه قبل التسليم والدليل على ذلك والله أعلم مع أنه يشرع بعد التسليم من الصلاة أيضاً الدعاء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ : « يا معاذ إني أحبك فلا تدعن دبر كل صلاة أن تقول : اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك » [12] .
لكن قبل التسليم فيه الدعاء مستجاب محل دعاء مستجاب ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : « ثم ليدع بما شاء » وحين تتأمل التحيات فإن فيها الثناء بل فيها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بل فيها التشهد والتوحيد ( التحيات لله ) ثم في التشهد ثم الدعاء فهذا يتضمن السؤال ثم الدعاء .
لماذا قال ) اهْدِنَا ( ولم يقل اهدني ؟
كما قلنا في ) إِيَّاكَ نَعْبُدُ ( فإن ذلك الثناء على الله عز وجل بسعة مجده وكثرة عباده وكثرة سائليه ماذا يتضمنه لفظ الإفراد كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى كما أن الجمع أدل وأكمل في طلب الهداية وأرجى للقبول فدخول العبد في جملة دعاء العابدين أرجى للإجابة وأمنع للرد .
فحين تقول : ) اهْدِنَا ( فإنك تدعو لنفسك وتدعو للمسلمين جميعاً للأقربين والأبعدين وتستحضر ذلك في دعائك وهنا أيها الأحبة قوله : ) الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ( مسألة لماذا عبر بالصراط ولم يقل الطريق المستقيم ؟
تذكيراً بصراط الآخرة وفي هذا الدعاء حين تقول اهدنا الصراط المستقيم فإنك تدعو ربك عز وجل بدعائين : دعاء أن يهديك صراط الدنيا بالعبودية وأن يهديك صراط الآخرة الذي تدلف به إلى جنة ربك فما أعظم أن يستحضر المسلم هذا الدعاء أو هذا المعنى حينما يقول ) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ( صراط الدنيا وصراط الآخرة والصراط التعبير بالألف واللام اهدنا الصراط ولم يقل ( اهدنا صراط ) لماذا ؟
للاستغراق بمعنى أنك تطلب من الله كمال الهداية لهذا الصراط والصراط كله الصراط كله بكل ما يتضمنه من خير ومن رضا لله عز وجل فإذا حققت ذلك حققت كمال السؤال في هذه الآية ويستشعر العبد في هذا السؤال ) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ( كمال الهداية لأمور الدنيا والآخرة وهذا معنى يغفل عنه كثير قولك : ) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ( تفيد أنك تسأل الله أن يوفقك للصراط المستقيم حتى في أمور دنياك في بيتك مع زوجك وأولادك وفي تربيتك لهم في وظيفتك وعملك أن يهديك الصراط المستقيم في بيعك وشرائك وتجارتك ) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ( في تعاملك مع الناس اهدنا الصراط المستقيم فضلاً عن تعاملك مع ربك أن يهديك الصراط المستقيم في عبوديته فهذا المعنى يغفل عنه كثير من الناس أيها الأحبة أنك تسأل الله الصراط المستقيم الذي يشمل كل خير في الدنيا وفي الآخرة فإذا سألت الله في الدنيا والآخرة يسر لك أمرك في دنياك وأخراك والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله عنه قل اهدني وسددني واقصد بقولك اهدني هداية الطريق وسددني سداد السهم مع أن قول اهدني وسددني للآخرة في أمر الآخرة لكنه حينما يستشعر فيه المسلم عموم فضل الله عز وجل في أمر دينه ودنياه فإنه بذلك يحقق كمال الطلب من الله عز وجل .
لماذا وصف الله تعالى الصراط بالمستقيم ولم يقل الصراط ؟
للدلالة على أمور فتأملوها :
أولاً : دليل على أنه لا اعوجاج فيه وهذا يبين أن صراط الله تعالى لا اعوجاج فيه لا ميل فيه صراط مستقيم واضح وأيضاً يدل على وضوحه ويدل على قربه لأن أقرب خط بين نقطتين هو الخط المستقيم فأقرب طريق إلى الله هو دينه وهو عبوديته لا زيغ ولا انحراف ولا ميل فهذا يبين لك بقولك المستقيم أن دين الله واضح وأنه سهل وأن معالمه ظاهره وأنه أقرب الطرق كل هذه المعاني تدخل في معنى قولك المستقيم وأنت حينما تقول ) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ( تطلب ربك أن ييسر لك الخير في أقرب سبيل وأيسر سبيل وأوضح سبيل وأعظم سبيل قال ابن القيم رحمه الله في المراد بالصراط المستقيم قال وحقيقته شيء واحد - حقيقة الصراط المستقيم شيء واحد - هو طريق الله الذي نصبه لعباده على ألسن رسله ، وجعله موصولاً لعباده إليه ولا طريق لهم إليه سواه ، بل الطرق كلها مسدودة إلا هذا ، وهو إفراده بالعبودية ، وإفراد رسوله بالطاعة ، وهذا كله مضمون الشهادتين ، فأي شيء فسر به الصراط فهو داخل في هذين الأصلين ) [13] .
ثم قال الله عز وجل : ) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ( ما فائدة إعادة لفظ الصراط وتعريفه بأنه صراط الذين أنعمت عليهم ؟
مع أن سورة مختصرة وسورة جمعت أجمع المعاني إلا لأن هذا أمر عظيم يجب أن نستشعره أيها الأحبة
1- هذه الآية غرضها التعريف بالصراط المستقيم وأثره ، حتى يتضح لك مـا هو الصراط المستقيم فأنت حينما تقول : ) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ( فيأتيك سؤال ما هو الصراط المستقيم ؟ لم يترك الله عز وجل الجواب في سورة أخرى أو في آية أخرى ، وإنما جعله مباشرة في هذه السورة فقال هو : ) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ( فتأملوا معي فقولك ) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ( هذا تعريف بالصراط وقولك ) الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ( المراد بالنعمة هنا كمال الهداية للدين الباعث على كمال التفضيل في الدنيا والآخرة المؤدي لكمال الجزاء وهذا هو المتوافق مع مقصد السورة كما ذكرت وهو الأنسب لكمال الطلب وهنا سر لماذا قال ) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ( ولم يقل صراط المؤمنين أو صراط الأنبياء المرسلين ؟
لأن قوله والله أعلم ) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ( فيه تشويق للنفس أن هؤلاء منعم عليهم فهنا كل قارئ متدبر يقول من هم الذين أنعم الله عليهم أريد أن أكون منهم أريد أن أتصف بصفاتهم حتى أكون ممن أنعم الله عليهم فهنا سر التعبير بقوله ) أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ( ولم يقل صراط المؤمنين فيه تشويق وهذا منهج قرآني عظيم يمكن أن نأخذ منه منهجاً تربوياً في أسلوبنا أننا نشوق للشيء بالتعبير عنه بما يشوق السامع ويدفعه ويرغبه ولله تعالى المثل الأعلى في هدايته وتوجيهه .
فالمراد بالنعمة هنا كمال الهداية للدين وكمال التفضيل في الدنيا والآخرة وكمال الجزاء يعني أنعمت عليهم بالهداية للدين وأنعمت عليهم بالتفضيل في الدنيا والآخرة وأنعمت عليهم بكمال الجزاء انظروا كيف اشتمل قوله ) أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ( ثلاثة أمور :
كمال الهداية وكمال التفضيل في الدنيا والآخرة وكمال الجزاء في الآخرة في جنته ورضوانه فما أعظم هذا المعنى العظيم فتأمله .
وفسر المفسرون معنى ) الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ( بمعاني كثيرة قالوا هم المؤمنون ، هم أتباع النبي صلى الله عليه وسلم ، لكن فسرها الله بآية في كتابه في قوله تعالى : ) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ( [14] يتبين لك بهذه الآية أن المقصود المنعم عليهم من هم ؟
كُمّل الخلق الكاملون لأنه قال : النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وهؤلاء أعظم الخلق ولذلك قال الله ) وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ( فأنت أيها الأخ الكريم وهو معنى لطيف أرجو أن تستشعره حين تقول ) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ( تتطلع نفسك إلى أن يهبك الله عز وجل منزلة رفيعة مع هؤلاء مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين فحين يكون هذا همك لاشك أنك تسعى إلى أن تحقق عبودية الله على أكمل وجه وكما قلنا أن الفاتحة في كمال العبودية جاء هنا بالجزاء على أكمل وجه يطلبه العبد .
وتأملوا أنه قال ) أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ( ولم يقل ( أُنعم عليهم ) كما قال ) الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ( ولم يقل ( غضبت عليهم ) لماذا ؟
ما الفرق بين قولنا ) أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ( وقولنا ( أُنعم عليهم ) لأن قولك ( أنعمت ) فيه إضافة النعمة إلى الله عز وجل وهو أشرف وأعظم وأكرم فأنت هنا تقول يا رب أدخلني مع من أكرمتهم وشرفتهم وأنعمت عليهم وتصوروا أيها الأحبة كلمة أنعمت هنا فيها نعيم أنعمت يعني تنعموا وبماذا تنعموا ؟ بكل شيء حتى في أمور دنياهم هم أنعم الناس فأولى ما يكون في نعيمهم ، نعيمهم مع الله فهم حين عبدوا الله وتقربوا إليه كانوا من النعيم مالا يمكن لأهل الدنيا وهم أيضاً كانوا في حياتهم الدنيا على أحسن حال وأكمل نعيم الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ( [15] هذه تدخل فيها لكن في آيات أخرى لا أستحضرها الآن تدل على أن المؤمنين هم أكثر الناس حياة طيبة ونعيماً في قلوبهم وسرورهم وعيشهم ، العيش أيها الإخوة ليس هو بالأجساد ولا بالمظاهر وإنما هو بالقلوب وما فيها من السرور فأسند النعمة إليه سبحانه وتعالى هنا لكمال التشريف لهم ولذلك لم يسنده في ( المغضوب عليهم ) فقال ) غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ( فهنا كأن الله عز وجل أبعد أولئك وقطع عنهم تكريمه فقال المغضوب عليهم ولم يقل غضبت عليهم ، قوله تعالى : ) غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ( يتضمن بيان طرفي الانحراف عن الصراط يعني بعد أن أكرمك الله وعرفك بالصراط المستقيم حين تسلك هذا الطريق تعلم أن في هذا الطريق كلاليب شياطين تريد أن تصرفك فبين الله لك أن هناك طريقان للانحراف ابتعد عنهما واسأل الله عز وجل أن يقطع عنك سبيلهما وأن يحفظك منهما فقال ) غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ( الله أكبر !
انظر كيف حُفّ المؤمن وهو يقرأ هذه الآية ويسأل الله عز وجل إلى أن يكون مداوماً مستقيماً قد تستقيم على دين الله وقت ووقت قد تفتر أو تصرف أو تنحرف بسبيل أو آخر لكن الله تعالى هنا يوفقك ويبين لك سؤاله الحذر من طريق المنحرفين فقال ) غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ( فهذه الآية اشتملت على بيان طريقي الانحراف عن الصراط المستقيم وأن الانحراف كما قال ابن القيم إلى أحد الطرفين انحراف إلى ضلال الذي هو فساد العلم والاعتقاد والانحراف إلى الطريق الآخر انحراف إلى الغضب الذي سببه فساد القصد والعمل طريقان للانحراف الطريق الأول هو انحراف بقصد والانحراف الثاني انحراف الجهل فالطريق الأول تمثله اليهود فكفروا بالله عز وجل مع علمهم وما عندهم والنصارى عبدوا الله بجهل فالطريق الأول يشمل من أشرك بالله أو ابتدع عامداً يدخل في ذلك والطريق الثاني هو من عبد الله بجهل ولم يسلك سبيله المستقيم فشمل ذلك الطريقان جميعاً وعليه فالمقصود هنا طلب السلامة من طرفي الانحراف وأصوله ولهذا عبر بوصفي الغضب والضلال اللذان هما أصل الانحراف ، والنبي صلى الله عليه وسلم خص اليهود والنصارى ففسر ) غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ( باليهود ) وَلَا الضَّالِّينَ ( بالنصارى ، لماذا ؟ لأنها هاتين الطائفتين هما أظهر من اتصف بذلك من جهة أنهما جمعا أو جمعتا طرفي الانحراف وأصل الضلالة ومخالفة الهدى وهما الكبر والجهل ، فاليهود كان انحرافهم بالكبر وفساد القصد والعمل والنصارى كان انحرافهم بالجهل وفساد العلم والاعتقاد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ( فمن عرف الحق ولم يعمل به أشبه اليهود ومن عبد الله بغير علم بل بالغلو والشرك والبدعة أشبه النصارى فالأول من الغاوين والثاني من الضالين ومن جمع الضلالة والغي ففيه شبه من هؤلاء وهؤلاء ) [16] .
فحينها أيها الأخ الكريم تتأمل هذا الدعاء العظيم أن الله يسلك بك طريقه المستقيم الكامل في الدنيا وفي الآخرة وأن الله يسلمك من طرق الانحراف من أصولها وما يدخل فيها فإنك بذلك قد حزت على أكمل توفيق وأعظم مسؤول وأعظم سؤال تسأله ربك فاستحضر هذا المعنى يا رعاك الله .
ثم بعد ذلك نختم في سر تشريع التأمين بعد الفاتحة .
التأمين بعد الفاتحة في قول النبي صلى الله عليه وسلم « من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه » [17] ، أو تأمينه تأمين الملائكة وفي رواية تأمينه تأمين الملائكة فما سر ختم الفاتحة بالتأمين ؟
السر أنه لما كانت الفاتحة في الصلاة ركناً وكان نصفها مشتملاً على الدعاء الذي هو حق العبد منها كان من حق الإمام القراءة وكان من حق المأموم الاستماع والتأمين لأنه واجب دون قراءة وهذا من أدلة عدم وجوب قراءة الفاتحة على المأموم في الصلاة الجهرية كما قال ابن كثير تأملتم ذلك ؟
أعيد يقول ابن كثير رحمه الله لما كانت الفاتحة ركناً في الصلاة وكان نصفها مشتملاً على الدعاء الذي هو حق العبد منها كان من حق الإمام القراءة وكان من حق المأموم التأمين على القراءة لأنه واجبه دون القراءة وهذا من أدلة عدم وجوب قراءة الفاتحة على المأموم في الصلاة الجهرية ، وهذه المسألة مسألة كبيرة جداً لا يسع المقام لتفصيلها إلا أن الإنسان ينبغي أن يجتهد في قراءة الفاتحة ما استطاع حتى يخرج من هذا الخلاف .
وأيضاً في مناسبة التأمين أنه لما كان الدعاء وهو خاتمة الفاتحة ناسب أن يختمه بالتأمين ليكون الختم على الكتاب أو الطبع على الصحيفة لما كان هذا الدعاء أعظم دعاء في الفاتحة ناسب أن يختمه بالتأمين كأنه خاتم عليه كالطبع على الكتاب وعلى الصحيفة وفي هذا معنى يفيد التأكيد على الدعاء وصدق الطلب في استحضاره وإظهار الحاجة فيه لله عز وجل ولهذا قال من وافق تأمينه تأمين الملائكة لماذا ؟ ليهتم الإنسان في استحضاره فإذا كانت الملائكة تؤمن مع الإمام فكان الأولى بالمأموم أن يأمن مستحضراً هذا الدعاء العظيم ليدخل فيه الموافقة والاستجابة .
هنا سؤال مهم جداً نختم به وهو وجه تحقيق الفاتحة لكمال الإنسان هذه الفاتحة كما قال ابن القيم من حققها حقق كمال البشرية وأتم سعادته وقضى حاجاته نقول أيها الأحبة أنه لما كانت الفاتحة مبنية على معاني الكمال والشمول كمال لله عز وجل واختصاصه بالعبادة وكان نصفها الأول مبيناً على إثبات استحقاق الله تعالى واختصاصه تعالى بالكمال المطلق لزم اشتمالها على ما يحقق للعبد الكمال البشري أقول أيها الإخوة مسألة وجه تحقيق الفاتحة لكمال الإنسان وتمام سعادته وقضاء حاجاته يقول ابن القيم رحمه الله الملهم المبدع في تأمل كتاب الله عز وجل وأرشدكم وأهديكم كتاب من أعظم الكتب التي جمعت تأملاته وهو كتاب بدائع التفسير هذا الكتاب جمع تأملات ابن القيم فأوصيكم بقراءته والرجوع إليه في مثل هذه التأملات يقول : ( لما كانت الفاتحة مبنية على معاني الكمال والشمول وكان نصفها الأول مبنياً على إثبات استحقاق لله واختصاصه للكمال المطلق لزم اشتمالها على ما يحقق للعبد الكمال البشري وأن تكون مشتملة على قضاء حاجاته كلها ونيل سعاداته في الدنيا والآخرة وهذا ظاهر بما حققته من المعاني والوجوه التي تضمنتها السورة بما يغني عن إعادتها ) وقال شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية مؤكدًا ذلك بل قبله في ذلك قال : ( معاني الفاتحة فيها الحوائج الأصلية التي لابد للعبد منها ) وبين أن الدعاء الذي تضمنته الفاتحة وهو قوله ) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ( يجمع مصالح الدين والدنيا والآخرة والعبد دائماً محتاج إليه لا يقوم غيره مقامه فلو حصل له أجر تسعة أعشار القرآن دعا ثلثه ولم يحصل له مقصود هذا الدعاء لم يقم مقامه ولم يسد مسده وقال ابن القيم رحمه الله في كلام نفيس طويل أذكر فاتحته وأحيلكم إليه في كتاب الفوائد قال : ( فكمال الإنسان وسعادته لا تتم إلا بمجموع هذه الأمور وقد تضمنتها سورة الفاتحة وانتظمتها أكمل تضمن ) فانظروا يا رعاكم الله إلى هذه السورة وحققوها في قلوبكم وفي حياتكم لتحوزوا بها بإذن الله على وجوه الكمال البشري في الدين والدنيا والآخرة أسأل ربي عز وجل أن يحقق لنا كمال العبودية له سبحانه وتعالى بهذه الفاتحة وأن يرزقنا فهم كتابه وأن يجعلنا ممن هداه الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين وأن يجعلنا جميعاً من الفائزين المفلحين في الدنيا وفي الآخرة .
هذا بالنسبة لدرسنا هذا والحقيقة أيها الإخوة كان من المرتب أن ننتهي من الفاتحة وأول البقرة وجهين أو ثلاثة لكني ما رأيت أن أختصر هذه السورة بعجالة فو الله إن هذه السورة بعظمتها التي هي أعظم سورة تحتاج منا ووالله أيها الأحبة والله ثم والله وأنا في بيته لا أظني ولا أظننا ذكرنا وبينا إلا شيئاً يسيراً من فتوحات هذه السورة وعظائمها ومعانيها وهدايتها وهي كما قال علي رضي الله عنه لو شئت لأوقرت لكم سبعين بعيراً من معانيها لكننا ينبغي ونحن نقرؤها في الصلاة أن نستشعر هذه المعاني وخلاصة الأمر أن نستشعر أن هذه السورة فيها تحقيق كمال العبودية والله أيها الأخ الكريم حينما تقرؤها في كل صلاة تجدد العبودية لله عز وجل تستحضر ذلك والله إنك ترتقي بهذه العبودية لله لكن استحضر لا تنسى ذلك ولا ينسيك الشيطان فإن الشيطان لك بالمرصاد إياك إياك أن تغفل في صلاتك وخاصة في الفاتحة عن استحضار معناها العظيم في تحقيق العبودية لله عز وجل فإننا ما نريد والله إلا تحقيق عبودية الله ، نسأل الله التوفيق لنا ولكم والتحقيق للعبودية التامة ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد .




[1] الراوي : جندب بن عبد الله – المحدث : الألباني – المصدر : ضعيف الجامع - الصفحة أو الرقم : 5736 - خلاصة حكم المحدث: ضعيف .
[2] ( قال القرطبي في تفسيره : الرابعة - روى عن جعفر الصادق رضي الله عنه أنه قال : البسملة تيجان السور .
قلت : وهذا يدل على أنها ليست بآية من الفاتحة ولا غيرها .
وقد اختلف العلماء في هذا ( الأول ) ليست بآية من الفاتحة ولا غيرها ، وهو قول مالك .
( الثاني ) أنها آية من كل سورة ، وهو قول عبد الله بن المبارك .
( الثالث ) قال الشافعي : هي آية في الفاتحة ، وتردد قوله في سائر السور، فمرة قال : هي آية من كل سورة، ومرة قال : ليست بآية إلا في الفاتحة وحدها .
ولا خلاف بينهم في أنها آية من القرآن في سورة النمل ) .
[3] مدارج السالكين .
[4] سورة الإخلاص .
[5] الفوائد لابن القيم .
[6] سورة الفاتحة .
[7] سورة غافر 16 .
[8] سورة الأنعام 38 .
[9] دقائق التفسير .
[10] ( يقول بن كثير في تفسيره للفاتحة وقدم المفعول وهو ) إِيَّاكَ ( ، وكرر ؛ للاهتمام والحصر ، أي : لا نعبد إلا إياك ، ولا نتوكل إلا عليك ، وهذا هو كمال الطاعة . والدين يرجع كله إلى هذين المعنيين ، وهذا كما قال بعض السلف : الفاتحة سر القرآن ، وسرها هذه الكلمة : ) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( فالأول تبرؤ من الشرك ، والثاني تبرؤ من الحول والقوة ، والتفويض ....) .
[11] ( مجموع الفتاوى فإن هذا الدعاء يتضمن الرزق والنصر لأنه إذا هدى الصراط المستقيم كان من المتيقن ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب وكان من المتوكلين ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره وكان ممن ينصر الله ورسوله ومن ينصر الله ينصره الله وكان من جند الله وجند الله هم الغالبون فالهدى التام يتضمن حصول أعظم ما يحصل به الرزق والنصر
فتبين أن هذا الدعاء هو الجامع لكل مطلوب يحصل به كل منفعة ويندفع به كل مضرة فلهذا فرض على العبد وهذا مما يبين أن غير الفاتحة لا يقوم مقامها أصلا وأن فضلها على غيرها من الكلام أعظم من فضل الركوع والسجود على سائر أفعال الخضوع فإذا تعينت الأفعال فهذا أولى والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ) .
[12] سنن أبي داود في باب فِي الاِسْتِغْفَارِ .
[13] ( بدائع الفوائد - فصل الصراط المستقيم : وأما المسألة العشرون وهي ما هو الصراط المستقيم فنذكر فيه قولا وجيزا فإن الناس قد تنوعت عباراتهم فيه وترجمتهم عنه بحسب صفاته ومتعلقاته وحقيقته شيء واحد وهو طريق الله الذي نصه لعباده على ألسن رسله وجعله موصلا لعباده إليه ولا طريق لهم إليه سواه بل الطرق كلها مسدودة إلا هذا وهو إفراده بالعبودية وإفراد رسوله بالطاعة فلا يشرك به أحدا في عبوديته ولا يشرك برسوله أحدا في طاعته فيجرد التوحيد ويجرد متابعة الرسول وهذا معنى قول بعض العارفين إن السعادة والفلاح كله مجموع في شيئين صدق محبته وحسن معاملته وهذا كله مضمون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فأي شيء فسر به الصراط فهو داخل في هذين الأصلين ونكتة ذلك وعقده أن تحبه بقلبك كله وترضيه بجهدك كله فلا يكون في قلبك موضع إلا معمور بحبه ولا تكون لك إرادة إلا متعلقة بمرضاته
الأول يحصل بالتحقيق بشهادة أن لا إله إلا الله ، والثاني يحصل بالتحقيق بشهادة أن محمدا رسول الله وهذا هو الهادي ودين الحق وهو معرفة الحق والعمل له وهو معرفة ما بعث الله به رسله والقيام به ) .
[14] سورة النساء 69 .
[15] سورة مريم 96 .
[16] ( مجموع الفتاوى : فمن عرف الحق ولم يعمل به أشبه اليهود الذين قال الله فيهم : ) أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ( ومن عبد الله بغير علم بل بالغلو والشرك أشبه النصارى الذين قال الله فيهم : ) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ( . فالأول من الغاوين والثاني من الضالين فإن الغي اتباع الهوى والضلال عدم الهدى قال تعالى : ) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( وقـال تعـالى : ) سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا = = وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ( ومن جمع الضلال والغي ففيه شبه من هؤلاء وهؤلاء نسأل الله أن يهدينا وسائر إخواننا صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ) .
[17] البخاري في باب جَهْرِ الإِمَامِ بِالتَّأْمِينِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلاَئِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ » . وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « آمِينَ » وفي باب فَضْلِ التَّأْمِينِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ آمِينَ . وَقَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ فِي السَّمَاءِ آمِينَ . فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ » وباب باب جَهْرِ الْمَأْمُومِ بِالتَّأْمِينِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِذَا قَالَ الإِمَامُ ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ) فَقُولُوا آمِينَ . فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلاَئِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ » . ورواه مسلم في باب التَّسْمِيعِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّأْمِينِ . عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلاَئِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ » . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « آمِينَ » .

تحميل المحتوى صوتياً mp3 : 


http://www.gulfup.com/?iKcVyv
------------------------------------

تحميل المحتوى في ملف pdf


------------------------------------------

تحميل المحتوى في ملف word


-----------------------------------

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

إنشرها على :

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites