الأحد، 28 سبتمبر 2014

تفسير سورة البقرة من ايه 25 – 29 ص 5

تفسير سورة البقرة من ايه 25 – 29 ص 5
ملاحظة : المقاطع الصوتيه في أسفل الموضوع 

ثم انتقل إلى وعد كريم وبشراً كريمةً عظيمة من الله عز وجل في قوله بعد أن ذكر حال المكذّبين جاء بحال المؤمنين والله يا إخواني تأملت القرآن فما وجدت الحقيقة بيان لآيات الجنة وعِظم جزاءها وكمالها مثل هذه الآية لماذا ؟ لأنها واردة في حال جزاء الكُمّل الّذين اهتدوا بالقرآن ، كما أن تلك في بيان حال المكذّبين ذكر الله تعالى هنا باختصار شديد حال أهل الجنة في تنعّمهم كامل التنعّم .
تأملوا معي كيف افتتح الله الآية بالتبشير ) بَشِّرِ ( أنت ولله المثل الأعلى ولكتابه أنت إذا أردت أن تُدخل السرور على إنسان مباشرة تقول أبشر لا تستفتح الكلام بأي كلام إلّا أبشر أبشرك , فالله سبحانه وتعالى افتتح الكلام لعباده المؤمنين بقوله مخاطباً نبيه بشّر المؤمنين ) بَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ( ففيه مزيد تكريم , وتأملوا أن هذه الآية ذكرت كما ذكر ابن السعدي - رحمه الله – في تأملاته : ( ذكر المُبشِّر ، والمُبشَّر , والمُبشَّر به , والسبب الموصل لهذه البشارة فمن هو المُبشِّر ؟ هو النبي صلى الله عليه وسلم , والمُبشَّر المؤمنون , والمُبشَّر به الجنة , والسبب الموصل لهذه البشارة العمل بالإيمان والعمل الصالح ) .
فكملت هنا أطراف البشارة كلها , فما أعظم هذه البشارة , وما أعظم من حقق أسبابها وكان من أهلها , نسأل الله أن يجعلنا من أهلها جميعاً .
قال الله عز وجل : ) أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ ( قال : ) لَهُمْ ( إشعاراً بأن هذا مستقر لهم متحقق لهم , ثم جمع الجنات وجمع الجنات دال على عظمتها وتعدادها وفيه مزيد إكرام , ثم قال : ) جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ( وفي هذا إشارة إلى كمال صورتها وحسن منظرها , يظهر ذلك من أمور أولاً : التعبير بلفظ تجري , ولا شك أن جريان الماء أفضل من ركوده ، فالماء الجاري أكمل وأنظر من الماء القار ففيه تجدد , ثم أيضاً قال ) مِنْ تَحْتِهَا ( زيادة لتحسين وصف الجنات وذلك أن أنهار الجنة تجري بين الجنان من غير أخدود من غير أخاديد وهذا أكمل محاسن الجنات وأفضلها .
قال الله عز وجل : ) كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ ( فيه بيان زيادة لذّتهم وفي أرزاقهم وتنوعها , ثم قال : ) أُتُوا بِهِ ( فهو النعيم يؤتى به لهم وليس هم يطلبونه بمشقة وطلب كما هو حال الدنيا , قال الله عز وجل : ) لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ ( وهذا مزيد إكرام من جهة تعدد اللذات وتكاملها , والتعبير بأزواج بدل زوجات لماذا ما قال زوجات ؟ هنا لطيفة جميلة وهي إشارة إلى اختصاصهم بتلك الأزواج , وذلك لأن المراد بالأزواج القرناء من النساء اللّاتي تختص بالرجـل لا يشاركه فيها غيره , فعبّر بالأزواج دون الزوجـات , وفي ذلك مزيد إكـرام , ثم التعبير بـ ) مُطَهَّرَةٌ ( مما يدل على أنه مطهّرة من كل عيب وأذى حسي ومعنوي , ثم قال : ) وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( فعبّر بخلودهم فيها وذلك فيه إزالة لتنغيص عليهم في تنعّمهم لئلا يظنوا أن هذا النعيم نعيم مؤقت أو محدود .
قال الله عز وجل : ) كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ( فقط أريد أن أقف وقفة يسيرة مع هذه الآية ) كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ ( ما معنى هذا الكلام ؟ اختلف في هذه الآية المفسرون اختلافاًً طويلاً لكني أختصره بالقول الصحيح وهو أنهم كلما أوتي لهم بثمرة كانت هذه الثمرة مع أنها هي الثمرة أو هي أسم الثمرة , مثل أُتي بالرمّان هذا اليوم كان هذا الثمر أعظم لذّة وأكمل طعماً من الرمّان الذي أُتي من اليوم الذي قبله , فكل يوم يؤتى لهم بهذه الفاكهة أسمها هي أسم الأولى وشكلها هي شكل الأولى لكنَّ طعمها أكمل , وهذا سر من أسرار نعيم الجنة , أنَّ نعيمهم يزداد كل يوم لذّة الله أكبر , ما أعظم هذه الحال في كل يوم تزداد لذّتك في الجنة , فالرمّان الذي تأكله اليوم ليس هو الرمّان الذي تأكله غداً في لذّته بل هو في لذّة أخرى وطعم آخر وهكذا .
بخلاف أهل الدنيا فأهل الدنيا حينما يأكلون الثمرة اليوم يتلذّذون بها , لكن لو أكلوها من غد كانت لذّتهم أقل وهكذا إذا اعتاد الإنسان على طعام في الدنيا ضعفت لذّته وشهوته , لكن الآخرة بعكس ذلك , ولذلك أهل الجنة في كل جمعة يزدادون جمالاً وبهاءً , فيذهبون في سوق الجمعة فتهب عليهم ريح الشمال فيزدادون بها حسناً وجمالاً , فيأتون إلى أهلهم فيقول أهلهم : ( لقد والله ازددتم حسناً وجمالا ) فيقولون هم لأهليهم : ( وأنتم والله لقد ازددتم حسناً وجمالاً ) هذا في كل جمعة تأمل هذا النعيم أنك في الجنة في كل أسبوع تزداد جمالاً ويزداد أهلك جمالاً وبهاءً ، نسأل الله الكريم من فضله أن يرزقنا هذا النعيم المقيم .
ثم أختم في الحديث في الآيات التي بعدها بحديث مختصر وهي قول الله عز وجل ) إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ( ما مناسبة هذه الآية ؟
مناسبتها أن الكافرين حينما دمغوا وتُحِدُّوا , وتحداهم الله عز وجل بالقرآن وأن يأتوا بمثله , ولم يكن لهم سبيل إلى ذلك لجئوا إلى ماذا ؟ لجئوا إلى الشبه والتنقص والحيل فقالوا كيف هذا القرآن يُضرب به الذباب ويضرب به العنكبوت مثلا وغيرها , كأنهم أرادوا أن يستنقصوا القرآن من حيث هذه الأمثال التي ضربها الله فيه , وإنما ضرب الأمثال هذه لمن ضربها الله عز وجل لآلهتهم , فقال الله عز وجل : ) إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ( لأن هذه الأمثال تزيد الإيمان تزيد المؤمنين إيماناً , وهذا يفيدنا في علم علوم القرآن أن الأمثال لها فائدة عظيمة في القرآن وهي كثيرة أنها تزيد الإيمان , بحكم الله عز وجل بقوله هنا : ) فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ( أي من المؤمنين ) يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ( من الكافرين ) وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ( من المؤمنين ) وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ( أي الخارجين عن أمر الله وحدّه , ثم ذكر صفاتهم ) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ( وفي هذا إشارة للمشركين ولأهل الكتاب المعاندين لأنهم هم الّذين نقضوا أمر الله عز وجل , ثم ردّ الحديث بعد ذلك باستفهام قال : ) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( رد الكلام إلى الدعوة الأولى أليس قال : ) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ( قال هنا : ) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ( [1] بعد هذا البيان وهذا التفصيل وهذا الاستدلال والبرهان .
فبهذا يتبيّن لنا سياق هذه الآيات وتتابعها على هذا المعنى وسنتابع الحديث بإذن الله عز وجل في المجلس الثالث .
نسأل الله أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد .



[1] سورة البقرة 28 .

الآيات بصوت القارئ العفاسي :  
http://www.quran-warch.com/hafs/mp3/005.mp3

تفسير الأيات صوت : 
http://www.gulfup.com/?HgBk6Z

تفسير الايات ملف WORD : 
http://www.gulfup.com/?9PMQ8U


تفسير الايات ملف PDF :
 http://www.gulfup.com/?elT59K

السبت، 25 يناير 2014

تفسير سورة البقره من ايه 23 – 29 ص 4



تفسير سورة البقره من ايه 23 – 29 ص 4
هذه الآيات جاءت بعد ذكر الطوائف الثلاث فكأنها دعوة لهم جميعاً , ولذلك قال ) يَا أَيُّهَا النَّاسُ ( لأن هذه الدعوة يدخل فيها الكفار والمنافقون والمؤمنون قبل ذلك , فعبّر بذلك بقوله ) يَا أَيُّهَا النَّاسُ ( فدعاهم جميعاً إلى عبادة الله وحده إلى أن يؤمنوا بالله وحده , وتضمنت هذه الدعوة أيها الإخوة تضمنت أصول الدين الحق , فتضمنت :
أولاً : توحيد الألوهية بعبادة الله وحده مع بيان موجبات هذه العبادة وهي آياته بتوحيد الربوبية .
ثانياً : تضمنت الإيمان بالقرآن وأنه حق لا ريب فيه .
ثالثاً : تضمنت الإيمان برسله أو برسوله المنزّل عليه هذا الكتاب وأنه عبد الله ونبيه .
رابعاً : تضمنت الإيمان بالجزاء الأخروي لأهل الكفر بالنار ولأهل الإيمان بالجنة .
هذه ما تضمنته هذه الآيات في قسمها الأول .
هنا سؤال وهو ما وجه تخصيص الآيات والنعم المذكورة في الآية ؟
خصص الله عز وجل في هذه الآية , تأملوها جيداً ذكر الله فيها الخلقة البشرية والبنيتان الأرضية والسماوية وما يخرج منهما من الثمرات من إنزال المطر وإخراج النبات , فهذا ذكره الله وخصّه لأنه محل الاعتبار بالبشر , وهو مواطن المنافع الظاهرة لهم , هذه أعظم منافع لهم خلقتهم خلق الأرض والسماء وما بينهما من إنزال المطر وإنبات النبات , وبها يقوم الدليل الظاهر على وجود الله - عز وجل - وعلى قدرته .
ولو تأملنا سياق الآيات لظهر لنا حسن الانتظام في هذا التقريب ودقة التعبير من وجوه :
أولاً : ابتدأ بخلقهم لأنه سابقة أصول النعم عليهم , أعظم نعمة عليهم هي خلقهم , ثم ثنّى بخلق الأرض التي هي مكانهم ومستقرّهم التي لابدَّ لهم منها ، ثم ثلّث بخلق السماء التي هي كالسقف الذي يُظلّهم , ثم ذكر بعد ذلك إنزال الماء من السماء للأرض والإخراج به من بطنها أي من بطن الأرض وهو أشبه بالنسل المنتج من الحيوان .
تأملوا كيف ابتدأ أوامر السورة بالأمر هنا بالعبادة هذا أول أمر , أول أمر في السورة هو هذا الأمر ) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ( لأن أول أمر جاءت به الرسل اعبدوا الله , ) وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ( [1] فكان أول أمر في كتـاب الله عز وجل وأول دعوة في القرآن لمن قرأ القرآن يأتيه هذا الأمر ) اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ( فكان مناسباً , ثم أيضاً أنه مناسب لتأسيس الدولة الإسلامية وبناء تشريعها الأساسي فهو مناسب لذلك .
ثم قال الله عز وجل : ) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ( هذه الآية واردة في إظهار التحدي لإثبات كمال القرآن وسلامته , في الآيات الأولى أول السورة بيّن كماله ثم بيّن في هذه الآية التحدّي لهم , يعني أظهر التحدي لهم ) إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ( كما أنها واردة في إثبات الأصل الثاني وهو النبوّة والكتاب ، التصديق بالنبوّة والكتاب بعد الأصل الأول وهو الإقرار بالعبودية لله عز وجل .
تأملوا التعبير بقـوله : ) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ ( ما قال : ( إن كان في ريب ) ، قال : إن كنتم أنتم في ريب ، ثم قال : ) رَيْبٍ ( يعني أدنى ريب ) فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ( , ثم قال ) مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا ( ولم يقل ( أنزلنا ) ما الفرق بين نزلنا وأنزلنا ؟
نزّلنا تأتي على التدريج وأنزلنا تأتي جملة واحدة , فكأنه قال يعني لكم أن تفكّروا في الأمر جليّاً طويلاً فكّروا فيه كما تريدون , وأن هذا الإنزال الذي أنزله الله على محمد منجماً ومفرّقاً ابحثوا فيه عن قصور أو ريب أو نقص ) فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ ( لم يكتفي بدعوتهم إلى أن يتحدّاهم بأنفسهم بل قال ) وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ ( ومن هم شهداءهم ؟ شهداءهم الأصنام وشهداءهم كبراءهم ورؤسائهم وزعماءهم وخبراءهم وكل من له علم عندهم ليأتوا بهم فيجتمعوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ) لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ( كما قال الله عز وجل .
ثم قال الله سبحانه وتعالى : ) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا ( لاحظ هنا هذه الآية غرضها الحكم بعجزهم وهذا من إعجاز القرآن أنه إلى قيام الساعة لن يفعل أحد مهما كان , ومهما اجتمع أهل الأرض في وجود الريب في القرآن لا يمكن لأنه كلام رب العالمين الذي كمل في ذاته وأسمائه وصفاته سبحانه وتعالى وكمّل به كتابه , فهنا حكم بعجزهم على أن يأتوا بمثل هذا القرآن أو يجدون فيه قصوراً أو ريباً , وهذا من إعجاز القرآن إلى قيام الساعة ولذلك توعدهم الله قال ) وَلَنْ تَفْعَلُوا ( ثم قال : ) فَاتَّقُوا النَّارَ ( فتوعّدهم على هذا التكذيب الذي لا يستطيعون معه الاستجابة وأن يأتوا بمثل ما طلبهم به توعدهم بالنار ) فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ( جعل النار مقام العناد , ولم يقل اتقوا التكذيب أو اتقوا العناد قال اتقوا النار مباشرة لأنها جزاءهم , وفي هذا إيجاز .
ثم ذكر الناس مع الحجارة وقدّم الناس لماذا ؟ مبالغة في تهديدهم وأنكم أولى من يكون في النار أنتم ثم الحجارة .
ثم أيضا تأملوا كيف قارنهم مع الحجارة ؟ الحجارة التي لا تحرقها النار في الدنيا هي وقود النار يوم القيامة , فتأملوا كيف أن الله أشار إلى عِظم النار بأنها لا تتقد بأشجار وإنما تتقد بالحجارة , وهذا دليل على عظمتها كما بيّنها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : « إن ناركم هذه جزء من تسع وستين جزءً من نار جهنم » عياذاً بالله .
فذكر الحجارة هنا إشارة إلى فرط حرّ جهنم وامتيازها عن النيران الأخرى توعداً لهم وتأكيداً على عِظم جزاءهم وعذابهم .
ثم انتقل إلى وعد كريم وبشراً كريمةً عظيمة من الله عز وجل في قوله بعد أن ذكر حال المكذّبين جاء بحال المؤمنين والله يا إخواني تأملت القرآن فما وجدت الحقيقة بيان لآيات الجنة وعِظم جزاءها وكمالها مثل هذه الآية لماذا ؟ لأنها واردة في حال جزاء الكُمّل الّذين اهتدوا بالقرآن ، كما أن تلك في بيان حال المكذّبين ذكر الله تعالى هنا باختصار شديد حال أهل الجنة في تنعّمهم كامل التنعّم .
 المحتوى بصيغة mp3 

المحتوى بصيغة word 




[1] سورة النحل 36 . 

تفسير سورة البقره من ايه 6- 16 الصفحه 3

تفسير سورة البقره من ايه 6- 16 الصفحه 3
هذه الآيات هي في الصنفين غير المنتفعين بالقرآن , الآيات التي سبقت هي في الصنف الأول المنتفع بالقرآن , أما هذه الآيات فهي في صنفين نوعين من الناس لا ينتفعون بالقرآن ولا يكونون من أهله ما داموا على هذه الصفات فتأملوا جيدا هذه الصفات لنحذرها في أنفسنا , لأن من اتصف في إحدى هذه الصفات نقص اهتداءه وانتفاعه بالقرآن .
الصنف الأول : وهم الكافرون , قال الله عز وجل عنهم ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) ( هذه الآية غرضها كما ذكرت لكم في بيان حال المكذبين من الكافرين .
وهنا قد يكون إشكال ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) ( يعني هل تعني هذه الآية أن الكافر سواء أنذرته أو لم تنذره لا يؤمن ؟ إذاً فما الفائدة من الدعوة إلى الله عز وجل ؟
هذه الآية تُشكل على كثير من الناس في ظاهر مفهومها , يعني لو أخذنا بظاهر مفهومها على هذا الوجه فإنه لا فائدة من دعوة الكافرين , لأن الله تعالى يقول ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) ( إذاً فما الجواب ؟! فما المعنى المقصود ؟
قيل إن هذه الآية في صناديد الكفار كأبي جهل وأبي لهب وغيرهم والأحزاب وقيل أيضاً هم الّذين أصرّوا على الكفر وعاندوا وأبَوا أن يستجيبوا ويستمعوا كلام الله عز وجل , فإنك تجد أن هذا المُعرض المُصر على الكفر لا يمكن يؤمن أبداً ولا ينتفع بالقرآن , لكنك تجد من الكافرين من يسمع كتاب الله عز وجل فيؤمن أليس عمر كان مشركاً فلما سمع كتاب الله آمن كيف آمن ؟
آمن حينما أحضر قلبه وأصغى بسمعه وأقبل على القرآن , فكل كافر يقبل على القرآن يهتدي , وكل كافر يُصر على كفره ويُعاند ويأبى أن يؤمن بهذا القرآن لا يمكن أن يهتدي .
أرأيتم ذلك ؟! هذا هو المعنى الظاهر الصحيح الذي رجّحه كثير من المفسّرين .
إذاً هي في المصرّين على الكفر المعاندين العامدين في كفرهم , فهؤلاء سواء أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون , ألسنا قلنا أن هذه الآيات فيمن لا ينتفع بالقرآن ؟ بلى , إذاً هي في المُصرِّين الّذين عقدوا في قلوبهم الكفر وأبَوا أن يؤمنوا .
فلذلك جزاءهم ماذا ؟ جزاءهم من جنس عملهم قال الله : ) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ( [1] ما دام أنهم مصرّون فالله تعالى يُزيدهم إصراراً وضلالاً ) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ ( وإنما خصّ القلوب هنا لأن القلوب هي التي تعي , والأسماع لأنها هي التي تسمع كتاب الله عز وجل .
ثم قال : ) وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ( أي غطاء لا يبصرون الحق , فالحق يبصره الإنسان في بصيرته قبل بصره ) فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ( [2] , فأشار الله عز وجل أن من أعرض فإن الله عز وجل يزيده إعراضاً ويمدّه في طغيانه كما قال الله عز وجل : ) وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( .
ثم قال الله في الجنس الثاني أو الصنف الثاني من المعرضين وهم المنافقون قال : ) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) ( هنا سؤال لماذا عبّر عن المنافقين بقوله ومن الناس ولم يقل والمنافقون يقولون ؟
معاملةً لهم بمثل حالهم أليس يخفون كفرهم خِداعاً ومخادعة لله ورسوله والمؤمنين , فالله تعالى هنا عاملهم بمثلهم فعبر عنهم بأسلوب عام ) وَمِنَ النَّاسِ ( ثم أيضاً هم من الناس الّذين سبق ذكرهم وهم الكافرون فكأنه قال هؤلاء صنف من الكافرين , وإنما خصصناهم لأنهم صنف فيهم خطر على المسلمين ولذلك أطال الحديث عنهم , فهذا سر طول الحديث عنهم , تحدّث الله عن الكافرين في آيتين وأطال بعد ذلك الحديث عن المنافقين لأنهم يعيشون مع المؤمنين ولا شك أن خطرهم أعظم لخفائهم , فالله تعالى ميّز صفاتهم لنعلمهم , فمن كان فيه هذه الصفة ففيه صفة من المنافقين .
ما هي هذه الصفات ؟
الصفة الأولى : قال الله عز وجل : ) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) ( إذاً هي إيمانهم الظاهر وكفرهم الباطن , فمن كان هذا حاله فهو منافق لا يمكن أن ينتفع بالقرآن , فهذا أول مانع من موانع الانتفاع .
ثم المانـع الثاني : تابعوا معي في المصحف أيها الإخوة آية ، آية ، لأن كل آية تحمل معـنى أو تحمل مـانع قـال الله : ) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) ( فهذا وصف زائد كاشف للمنافقين وهو اتصافهم بالمخادعة , وهو مانع من موانع الإيمان والانتفاع بالقرآن لماذا ؟
لأن المخادعة أيها الإخوة متضمنة إخفاء أمر فاسد في النفس , وإذا فسد القلب لا يمكن أن ينتفع بالقرآن , فالمخادعة لله ولرسوله , كلما كانت المخادعة في جانب الإيمان كانت أعظم جرماً وضلالاً ومانعاً من موانع الاهتداء .
وهذا يدلنا على أن صفة المخادعة أيّاً كانت صفة ليست من صفات المؤمنين وإنما هي من صفات المنافقين .
وجه مخادعتهم لله قال الله عز وجل : ) يُخَادِعُونَ اللَّهَ ( كيف يخادعون الله ؟
هم يخادعون في دين الله هم لا يخادعون المؤمنين في أمر من أمور الدنيا وإن كانوا يفعلون ذلك لكن المقصود هنا أنهم يخادعون المؤمنين في أمر من أمور الدين بأنهم يظهرون إيمانهم ويبطنون كفرهم , فلذلك قال : ) يُخَادِعُونَ اللَّهَ ( كأنهم قالوا يخادعون دين الله - عز وجل - وأيضاً فإن مخادعتهم للمؤمنين كأنها مخادعة لله عز وجل , فذلك لتعظيم هذا الأمر وبيان فساده وجرمه .
ثم بيّن الله جزاءهم فقال ) وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) ( كيف يخدعون أنفسهم ؟
يعني أنهم كما يقال يلعب على نفسه بمعنى أنه ها هو يصلي لكنه لا يكسب من صلاته شيئاً ، ها هو يؤمن لكنه لم ينتفع من إيمانه شيئاً , فهو يخدع نفسه لأنه سيأتي يوم القيامة وقد حبط عمله كله بريائه ونفاقه , فهذا معنى وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون , لا يشعرون أن هذا الإيمان لن ينفعهم , لا ينفعهم في الآخرة عند الله عز وجل وإن نفعهم في الدنيا بأن كانت أُجريت عليهم أحكام المؤمنين .
الوصف الثالث : قال الله عز وجل ) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) ( فهذا الوصف هو مرض القلب , مرض القلب والكذب هذان وصفان ، مرض القلب فإذا كان هناك مرض في القلب ودخن والمرض هنا المقصود به المرض المعنوي في الشك والريب والاضطراب وعدم التصديق فكل ذلك داخل في هذا المرض , كل ما كان في القلب من دخن وشك وريب وكبرياء كل ذلك داخل في هذا الوصف , فهي كلها من صفات المنافقين .
ثم خص صفة واحدة من صفاتهم لأنها هي من أشهر صفاتهم , قال الله عز وجل ) بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ( وإنما نص أو صرّح الله عز وجل بها لأنه صفة يجب الحذر منها ، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال : « آية المنافق ثلاث » وأعدّ أولها فقال : « إذا حدّث كذب » , وهذه الآية فيها قراءتان ) بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ( و ) بِمَا كَانُوا يُكَذِّبُونَ ( بما كانوا يكذبون في حديثهم وبما كانوا يُكذّبون في إيمانهم فاشتملت حالهم الظاهر والباطن .
فزادهم الله مرضاً ماذا زادهم الله ؟
أي زادهم الله اضطراباً وشكّاً وريباً وخوفاً وغير ذلك , جزاءاً من جنس عملهم .
الصفة الرابعة : قال الله عز وجل في صفة أخرى ) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) ( هذه الآية في بيان صفة من صفاتهم الذميمة المانعة من الانتفاع بالقرآن وهي انعكاس مفاهيمهم , يظنون أنهم بأعمالهم يصلحون وهم يفسدون , وهذا أمر ظاهر فهم يدّعون يزعمون الإصلاح زعماً وكذباً أو أنهم يتصورون أن هذا هو الإصلاح كما هو حال المنافقين اليوم , اليوم المنافقون ينادون بالإصلاح الّذين يزعمونه وفيه ما فيه من تغيير مبادئ الدين ومظاهر الدين ويزعمون أن هذا تقدّم , ويزعمون أن هذا انفتاح ، ويزعمون أن هذا إصلاح للمجتمع وما يشعرون أنهم يفسدون , ) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ ( ونحن نرى أن هذه الصفة أيها الإخوة صفة جلّية ظاهرة فيما نراه من حال المنافقين اليوم .
نعم أيها الإخوة هاهي دعواتهم بالتغريب دعواتهم بالاختلاط ودعواتهم في مظاهرة الكافرين وموالاتهم وغير ذلك ، كل ذلك باسم الإصلاح والانفتاح على الآخر والتقدم , وعدم الانغلاق كل هذه الدعوات فاسدة ، كل هذه الدعوات داخلة في هذه الآية في قول الله عز وجل ) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) ( قال الله ) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ ( ولاحظوا أيها الإخوة حكم الله عليهم قال ) أَلَا ( أداة تنبيه , ثم قال ) إِنَّهُمْ ( أداة تأكيد ثم قال ) هُمُ ( حصراً ) الْمُفْسِدُونَ ( , ولم يقل مفسدون وإنما بالألف واللام يعني هم المفسدون حقاً , فما أعظم حكم الله عليهم المتمثل بهذه الآية , قال الله ) وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ ( .
الصفة الخامسة : قال الله عز وجل بعد ذلك في صفة من صفاتهم زائدة مانعة من الانتفاع بالقرآن ) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13) ( لاحظوا أنهم في كل آية يأتي وصف وحكم من الله عز وجل , قال هنا ) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ ( هذه الصفة تُبيّن ماذا ؟
تُبيّن استخفافهم بالمؤمنين كأنهم يقولون نحن نؤمن مثل هؤلاء السفهاء يعني لا عقول لهم , السفيه هو الذي لا عقل له , يظنون أن المؤمنين سفهاء لا عقول لهم , لا يفكرون في مصالحهم لا يعون حقيقة الحياة , يعيشون منغلقين كما يزعمون هذه دعواتهم اليوم .
ها أنتم ترون كيف أنهم يستهزئون بالمؤمنين ويسخرون منهم ويستقلّونهم , بل وصل الحال بهم اليوم إلى أنهم يسخرون من العلماء ويزدرون بهم , ويحاولون تنحيتهم عن الحياة العملية للناس , وهذا والله ضلال مبين , وهذا وصف ظاهر في دستورهم هنا لأنهم قالوا ) أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ ( أي لا عقول لهم لا يفكرون لا يعرفون أبعاد الأمر .
لماذا هؤلاء المنافقون يقولون ذلك ؟
لأنهم لا يعيشون إلا مصالحهم الدنيوية , ليس لهم في دين الله شأن أو ليس لدين الله عندهم في نفوسهم شأن , فلذلك كان حكمهم قال الله عز وجل عنهم ) أَلَا إِنَّهُمْ ( لاحظ أداة تنبيه تأكيد ممن ؟ من الله عز وجل , ) أَلَا إِنَّهُمْ ( أداة تأكيد ) هُمُ ( تخصيص ) السُّفَهَاءُ ( استغراق الألف واللام فهم حقاً السفهاء , إذاً السفه حق السفه في هؤلاء الّذين يدّعون أنهم يؤمنون , ويسخرون بالمؤمنين .
الصفة السادسة : ثم قال الله عز وجل في وصف آخر : ) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ( قال الله : ) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) ( هذا وصف أيضاً آخر من صفاتهم الذميمة المانعة من الانتفاع بالقرآن وهو كونهم مذبذبين متخلخلين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء , فإذا كان الإنسان متذبذب بين أهل العصاة وبين أهل الطاعة فذلك فيه دخن وفيه ضعف وفيه مانع من موانع الاهتداء , فينبغي على المسلم الحق والمسلمة الحقة أن يكون ثابتاً على مبدئه في الإيمان لا متزعزعاً , إذا رأى أهل الباطل تركهم وإذا رأى أهل الحق كان معهم .
ثم حكم الله تعالى عليهم بقوله : ) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ( جزاءً لأفعالهم حينما قالوا لشياطينهم لاحظوا التعبير ) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا ( لقوا فقط ملاقاة , مع الكافرين ماذا قال الله عنهم ) وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ ( خلوة بمعنى أنهم في حال من القرب والدنو , وحال من الرغبة إلى أن يكونوا معهم , ولذلك قالوا ) إِنَّا مَعَكُمْ ( هناك قالوا ) آَمَنَّا ( فقط ظاهرة , فلاحظ التعبير البليغ في بيان وصفه .
ثم قالوا ) إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) ( بمن ؟ بالمؤمنين , فقال الله : الله عز وجل هو يستهزئ ولم يقل استهزأ قال يستهزئ أي هو دائماً سبحانه وتعالى يستهزئ بهم بماذا ؟ بأنهم يملي لهم , فيجريهم في أحكام في الدنيا مع المؤمنين , لكنه يتربص بهم في عذاب الآخرة , ولهذا قال : ) وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) ( .
ثم قال الله تعالى : ) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16) ( تأملوا التعبير بالشراء ) اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ ( انظروا كأنهم باعوا الهدى بيعاً واشتروا الضلالة أي ضلال بعد هذا ؟ أن يبيع الإنسان الهدى ويشتري الضلالة , هكذا حكم الله تعالى أو بيّن الله وصفهم فما والله ربحت تجارتهم كيف تربح تجارتهم وقد باعوا الهدى واشتروا الضلالة ) وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ( أي لن يهتدوا بالقرآن لاحظوا التعبير في قوله وما كانوا مهتدين أي لن ينتفعوا ولن يهتدوا بكتاب الله .


[1] سورة البقرة 7 .
[2] سورة الحج 46 . 

تحميل المحتوى بصيغة mp3 : 



تحميل المحتوى بصيغة pdf

http://www.gulfup.com/?XqRPIU


تحميل المحتوى بصيغة word :

http://www.gulfup.com/?2RsNww





إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

إنشرها على :

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites